الخميس، 24 أكتوبر 2019

مفهوم التدبير عند أثناسيوس ( 5 )





                         
                              زبدة المقالات الأربع 

 التدبير باختصار يعني كل الأعمال التي صنعها المسيح من أجل كنيسته . والأعمال تبدأ بخطته الأزلية من نحو وجود الإنسان وخلاصه من المصير الذي يهدد هذا الوجود من خلال " تدبير"  تجسد الكلمة واجتلابه لكنيسته حتى ماتتموقع في هذا الجسد كأعضاء.
                  المفردات الأساسية لتدبير الخلاص
   أولا: الواقع الإنساني ( المشكلة )
  " الإنسان فان بطبيعته " ، هذه هي العبارة المنطلق ، عبارة أول السطر في سفر تدبير الخلاص ( إذا جاز التعبير )، هي اللبنة الأولى وحجر الزاوية في البناء الذي شيده أثناسيوس في رائعته " تجسد الكلمة ". ليس المراد من قبل الخالق أن يجتلب الإنسان من العدم ليظل مهددا بالعودة إليه ولينتهي الأمر بفناء الإنسان فعلا ، بعدما انحرف عن مسار كان من الممكن أن يسير فيه قاصدا الخلود بالشركة في الطبيعة الإلهية ،أي التأله ، أي مشاركة الله في خصيصته الجوهرية - التي تميزه عما عداه - أي حياته الأبدية  .إذن الواقع المشكلة هو الانحدار نحو العدم وفناء الإنسان ، بتحييد العقل الإنساني من نحو معرفة الله ، وبالتالي فقدان أي رجاء في التواصل مع نبع الحياة ومصدرها الوحيد ، والسؤال الذي تطرحه المشكلة هو : مالحل ؟
  ثانيا : محورية حدث التجسد ( الحل )
    كانت المشكلة هي موت الإنسان وفناؤه بفقدانه السير في طريق الشركة في حياة الكلمة فالحل المنطقي الوحيد ، الممكن ، هو مبادرة الكلمة ذاته للشركة في حياة الإنسان بصيرورته إنسانا أي التجسد . وهنا يأتي مؤسس الحياة ذاته إلى الميت ويواجه الموت في عقر داره أي الجسد الإنساني ، فيبيده في جسده الخاص ، فأنى للموت أن يقدر على رب الحياة . حينئذ  يجذب الكلمة المتجسد ،الميت إلى شركته فيحيا حياته . وهذا هو كمال النعمة.
  ثالثا : تحرير تدبير التجسد من أسر التاريخ ( امتداده في الكنيسة )
   حدث التجسد ليس حدثا تاريخيا ، والكلمة المتجسد ليس مجرد شخص قد ظهر في التاريخ ، وما حدث بالضبط هو حدث دراماتيكي قد انطلق من تجسد الرب ، وهو نصرة الجميع على الموت بانضمامهم للباكورة جسد الرب المنتصر ، آدم الثاني الرب الذي من السماء. لم يتجسد الكلمة لمجرد أن يظهر في تاريخ البشر كفرد ينتمي لجنسهم ، لم يصنع هذا من أجل ذاته فهو لا يحتاج أن يصنع شيئا لأجل ذاته ، بل أتم العمل وأكمل التدبير من أجل أن ينقل كل ما عمله وكل ما أتمه إلى كنيسته الصائرة جسدا له ، بينما هو صائر رأسا لها ليكون الجميع واحدا فيه . لم يتجسد الكلمة ليصير مجرد رأس مقطوع ، بل بمجرد ظهوره في البشر قد بدأ يتصور باقي الجسد ، بامتداد استحقاق فعل التجسد ، وبظهور ثماره ، في الكنيسة . إذن حينما نتكلم بخصوص تدبير التجسد فنحن نرصد حدثا آنيا ممتدا يستهدف تكريس وجود الكنيسة الخالدة بكل أعضائها والتي يتحقق وجود أعضائها من خلال إيمانهم الحي بالكلمة المتجسد الذي قد نال جسده النصرة على الموت والخلود ، إذ هو جسد الكلمة الخاص ،وحينما يقبل المسيحيون الشركة العضوية في هذا الجسد فهم يحصلون على ذات النصرة فيتكرس وجودهم ككنيسة.
رابعا: أزلية خطة تدبير التجسد
      تدبير التجسد لم يكن أمرا اضطراريا فرض على الله في سياق إدارته لأزمة الإنسان الوجودية ، فالله لا يخضع لأي ضرورة ، بل العكس ، حينما تجسد الله الكلمة صائرا إنسانا فإنه قد حرر البشر من حكم الضرورة . وإذا كان القديس أثناسيوس – حينما ينظر للتدبير – يكتب ما يوحي بمثل هذه الانطباعات ، فهو هنا يبرئ ساحته من مثل هذا الأمر بتبنيه للطرح الإنجيلي القائل بأزلية خطة التدبير . إذن لم يكن الأمر مجرد رد فعل لأزمة ولكنه تدبير محفوظ في المسيح من قبل حدث الخلق ذاته . ونستطيع أن نستنتج أن أمر التدبير هو عملية خلق الإنسان في الصورة التي أراد الله للإنسان أن يكون إياها ، أي الشريك في الطبيعة الإلهية والذي يتم تبنيه من قبل الآب بالشركة في ابنه في الروح القدس ، وهي العملية التي وهب للإنسان أن يشترك بوعيه فيها مخالفا في ذلك سائر المخلوقات التي لا يتسنى لها إدراك مسار أمر خلقتها.
               السر العجيب وراء تعبير " بلا خطية "
   بتجسد الكلمة صار إنسانا من بني جلدتنا وأظهر كل مظاهر ضعفنا ونقصنا الذي بلغ ذروته بالآلام والموت ، ولكن أمرا واحدا لم يشبهنا فيه وهو الخطية . والأمر ليس تعسفيا أو مجرد صبغة رومانسية لما ينبغي أن يكون عليه حال المخلص الموعود به . فالخطية هي حالة تنجم من الصراع الداخلي لإنساننا العتيق ، الأمر الذي يكشف فجوة وجفوة وعزلة بين الإنسان والله . الخطية بتعبير آخر هي حالة انعدام الشركة في الطبيعة الإلهية . وإذا كان الرسول يوحنا يكتب " كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله"( 1يو3: 9 ) ، فماذا عن الابن الوحيد المتجسد  ؟ هل يستطيع أن يخطئ ؟ بالتأكيد هو لا يستطيع ان يخطئ ، ليس لأنه قد خضع لضرورة ما ، بل لأنه لا يستطيع أن يتناقض مع نفسه ويتخلى عن عمله ويفسد التدبير حتى ما يعيد الإنسان إلى عزلته ،أي الخطية .وماذا عن جسد الكلمة الخاص ، أول باكورة بشرية ظاهرة في الله ؟ إذا كان الإنسان يسوع هو الإنسان الذي يحل فيه ملء اللاهوت ، فهل توجد أي عزلة أو فجوة بين ألوهيته وإنسانيته ؟ إذا كان يسوع شخصا تثمره وحدة أقنومية بين الإنسان والكلمة فهل يوجد أي جدوى بخصوص سؤال الخطية ؟ بتجسد الكلمة تجدد الإنسان وظهر يسوع باكورة للإنسان الجديد ، وهذا ما قد تكشف في منازلة الشيطان له . فقد جاء العدو رئيس العالم ، والذي عنده كل مفاتيح ودوافع الزرع القديم ، جاء ليبحث وليطمئن على ما كان يظنه أحد رعايا مملكته ، فإذ به يجد أن كل شيء قد صار جديدا ، وقد اختفت سطوة العتيق البالي ، فذهب ذليلا مهزوما . خلاصة  الأمر عند أثناسيوس هو أن الإنسان يسوع هو إنسان بلا خطية ولا يقدر أن يخطئ لأنه الإنسان الجديد " الروحاني ، آدم الثاني الرب الذي من السماء "( 1كو15 : 45 – 48 ) الذي بخميرة جدته تجدد الجميع.
                   مشاهد ( إعلانات) تدبير التجسد
  أولا :   الترقي ( النمو )
  في إطار دفاع القديس أثناسيوس عن الإيمان المستقيم ضد الهراطقة القائلين بعدم أزلية الابن ، يقوم بالتفنيد المستميت لانحرافاتهم بخصوص تأويل وشرح بعض الآيات التي تحمل معنى النمو والتقدم والترقي، والتي يدعون بخصوصها أنها تشير إلى ترقي الكلمة إلى وضع لم يكنه قبل التجسد . ويحاجج أثناسيوس موضحا بأن المقصود من الترقي الذي تقصده الآيات هو ما حدث لجسد الكلمة الخاص حينما صار جسدا خاصا بالكلمة ، صائرا باكورة لترقية الجميع ، من الموت إلى الحياة ، ومن العار إلى المجد، ومن الطبيعة الحيوانية إلى الطبيعة الروحانية . باختصار،  نحن الذين ارتقينا وارتفعنا .والملحوظة شديدة الأهمية ، هنا ، هي أن القديس أثناسيوس- في سياق دحضه لهرطقة ترقي الكلمة – لم يشر بأي حال من الأحوال إلى أن الأمر يخص أي تقدم أو نمو تراكمي للإنسان يسوع في الروحانية والشركة في الطبيعة الإلهية أي التأله. وقد كانت الفرصة مواتية بل كان الأمر شديد الورود بل واجب الحديث فيه ، كأن يقول مثلا :" الكلمة لا ينمو ولا يرتقي لأنه لا يحتاج إلى ذلك بل إن إنسانه الداخلي ، جسده الخاص هو الذي ظل ينمو في النعمة وفي الروحانية وفي التأله ، يوما بعد يوم إلى أن وصل إلى المجد الذي أراده له الكلمة فظهر إنسانا جديدا منتصرا على الموت  ، بالقيامة ". ولكن أثناسيوس لم يقلها بل على  العكس فإننا لا نفهم من النصوص  إلا أنه لا يوجد في الكلمة المتجسد ما قد رفع ( بتشديد الفاء ) كمكافأة ولكن من قد رفع هو نحن  .إذن الترقي الحادث هو تغير نوعي ( كيفي ) قد حدث للإنسان ، بتغيير واقعه الوجودي من النقيض إلى النقيض حينما اتحد بالكلمة في شخص الرب يسوع المسيح.
  عند أثناسيوس: 1- الذي ترقى وحدثت له زيادة هو الجسد . 2- ترقي الجسد هو تحوله من الحيوانية إلى الروحانية . 3 – حدث الترقي حينما صار الجسد جسدا للكلمة ، أي حدث التجسد . وبخصوص الآية الأكثر التباسا في هذا السياق : " وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة ، عند الله والناس "( لو2: 52 )، فيؤكد أثناسيوس أن ارتباط نمو يسوع الطبيعي في القامة كإنسان ، بتقدمه في الحكمة والنعمة إنما يشير إلى ازدياد ظهور وانكشاف اللاهوت فيه أمام الناس المحيطين به والمعاصرين له ، أي أنه كان يزداد نموا وتقدما " كإله " في أعين الناس ( إذا جاز التعبير )، أي أن التقدم في الحكمة كان ترقيا وتقدما لوعي الناس به كإله  ولم يكن ترقيا أوتقدما أو تطورا  باطنيا خاصا به. مدلول تدبير نمو يسوع في القامة والظهور التدريجي لألوهيته أمام الناس ، كإشارة إلى بدء زمن تكريس تأله البشر بالشركة في الكلمة المتجسد . ولعل ماوراء قناعة القديس أثناسيوس بعدم احتياج الإنسان يسوع إلي أي نمو باطني ، هو إدراكه لأن إنسانية يسوع هي جسد الكلمة الخاص ، أي الإنسان الظاهر في الكلمة منذ الحبل به.
   ثانيا : المسحة ( مسحة الرب في الأردن )
   أيضا في إطار تفنيده لانحراف الهراطقة في تفسير آيات المسحة بخصوص الكلمة المتجسد ، يؤكد القديس أثناسيوس الرسولي أن الكلمة هو الذي يمسح بالروح ، وهو الذي مسح جسده حينما لبسه صائرا إنسانا . والنقطة الحاكمة في هذا السياق هي أنه عندما نزل الرب إلى الأردن واعتمد ومسح ، فلم يكن من دلالة لهذا المشهد سوى أننا نحن الذين مسحنا. ومن ذلك الحين فإننا نتقبل الروح ليختمنا مصورا فينا المسيح ذاته .  ولم نرصد للقديس أثناسيوس أي عبارة أو إشارة تفيد بأن يسوع قد بدأ يمسح – على أساس أنه لم يكن ممسوحا من قبل – منذ أن نزل إلى الأردن ، فهو يسوع " المسيح " ، أي الممسوح ،  موضوع بشارة الملاك للرعاة " فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب "( لو2: 10و 11 ). إذن الرب منذ ظهوره هو ممسوح ولا يحتاج إلى مسحة بل هو الذي يهب المسحة لمن يحتاجها ، أي نحن . وهو حينما نزل إلى المياه فقد أسس لنا مسحتنا التي تجعلنا أعضاء فيه بواسطة الروح الذي يرسله من الآب.
ثالثا :  موت المسيح وقيامته
   لقد كان مشهد الصلبوت المأساوي مشهدا كاشفا لعمق أعماق التدبير؛ إذ قد تكشف بجلاء شديد أن الكلمة بتجسده قد أظهر إنسانيته الخاصة إنسانية جديدة خالدة عديمة الألم والموت . ينتهي المشهد الجلل بالصرخة المدوية للمعلق على الخشبة " إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني ؟". تفارق نفسه جسده فيموت موتنا . يوضع جسده الظاهر في القبر . ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا الحد المأساوي ، فالأمر كله تحت سيطرة التدبير،  إذ يتجلى أن صورته الإنسانية الباطنية غير قابلة للموت ، بل ومتحدية له ، ليس على مستواه الشخصي بل على مستوى الجميع ، فينزل الكلمة إلى الجحيم  محتجبا في هذه الصورة ، فيكرز للأروح الحبيسة ويحلها من أسرها مؤسسا القيامة . وهنا يتكشف وجه آخر لما يستعلنه المشهد ، إذ قد حدث تغير جذري دراماتيكي بالنسبة لنا ، فقد حدث تحول من مشهد صليب العار إلى حقيقة وواقع الصليب المحيي  ،إذ تكرس طريق خلاص الذين يؤمنون بالمسيح وذلك حينما يقبلون أن يشتركوا في صليب وموت المسيح بفعل مماتية الروح القدس فيقومون من موتهم لينضموا إلى بكرهم وبذلك يكونون قد استقبلوا  ثمر التجسد في أجسادهم ، ويكونون قد قبلوا استحقاق ما صنعه الكلمة لجسده الخاص – عندما صار جسدا خاصا به – في أجسادهم ، وتصبح إنسانية يسوع المنتصرة رأسا لوجودهم الإنساني الجديد ، أي الكنيسة.  يمثل مشهد الصليب ، المعقوب بالقيامة ، أفضل مثال لخاصية أخرى تضطلع بها علامات وإعلانات التدبير المختلفة ،وهي دلالة المشهد كلغة منطقية يخاطب بها العقل البشري ، حتى مايتم ضخ الحد الأدنى المعرفي بخصوص التدبير . لذلك نجد القديس أثناسيوس حينما يحاجج بخصوص موت الرب وقيامته فهو يستخدم  الألفاظ التي تتعامل مع منطقية العقل البشري مثل : الواضح والمعلن والدليل والبرهان والشك والظن وما هو لائق وما هو غير لائق وما هو معقول ..الخ
إذن أي مشهد من مشاهد التدبير يحمل رسالة ولغة خطاب معينة تتوافق مع العقل البشري وبالتالي توصل الحقيقة الإيمانية اللاهوتية في صيغة منطقية إنسانية تتوافق مع الحد الأدنى للإدراك البشري . هذا فضلا عن إظهار التطابق بين تفاصيل المشهد وبين النبوات القديمة . وفي حالة الصليب والقيامة نجد أن القديس أثناسيوس يتجاوز مجرد انحصار توجه الخطاب التدبيري ( إذا جاز التعبير) إلى المؤمنين بل يجده خطابا صالحا للكرازة ، أي الخطاب الذي يوجه لغير المؤمنين.
                        مدلول المشهد التدبيري
     كيف ندرك المدلول اللاهوتي لإعلانات ( مشاهد ) التدبير المختلفة ، من ميلاد الرب في مزود للبقر و نموه في القامة ومسحته في مياه الأردن وصلبه وقيامته وصعوده ؟ اعتقد أنه قد بات في استطاعتنا أن نرصد إشارات واضحة عند أثناسيوس بخصوص المدلول العميق لمشهد تدبيري ما ، من خلال النقاط الحاكمة الآتية :
  أولا: التجسد هو النقطة الحاكمة الأم؛ فمحورية التجسد أمر أساسي حاكم في أمر تدبير خلاصنا . ولا يوجد أي ثمر يرتجى أو نعمة تبتغى ، خارجا عن ما قد حدث لجسد الكلمة الخاص الصائر رأسا ومنبعا للنعمة .
  ثانيا : الإعلان التدبيري كاشف لواقع يسوع ، منشئ لواقع الكنيسة 
    فمشهد الولادة يكشف أن يسوع الإنسان مولود كرب للحياة الأبدية قبل أن يولد في المذود، إذ هو جسد الكلمة الخاص، أي الشريك في حياة الكلمة بفضل الوحدة الأقنومية معه، وهذه هي شهادة أليصابات تؤكد هذ الأمر، إذ قد شهدت بأن العذراء- التي ماتزال حبلى ، في ذلك المشهد - هي أم الرب (  لو1: 43). وبالتأكيد لم تكن أليصابات تشيير إلى ربوبية الكلمة ، في لاهوته العاري ، بل إلى الكلمة المتجسد الذي بالفعل كان قد ظهر متجسدا مع ظهور الجنين في رحم العذراء ، فالكلمة لم يصر ربا،  في ذلك الحدث، إلا بظهوره متجسدا. أيضا لايمكن أن يطلق على العذراء أنها أم الرب إلا حينما صار الكلمة جسدا، وهو بالفعل قد حل بيننا ( فينا ) بمجرد ظهوره جنينا في رحم أمنا المطوبة . هذا بالإضافة إلى أن مشهد ولادته يكرس بدايتنا نحن للحياة الجديدة وولادتنا من فوق وتبنينا للآب السماوي بالشركة في ابنه المتجسد في الروح القدس. ولذلك نحن نستدعي كل عام مشهد ولادته كمناسبة للاحتفال والفرح بولادتنا الجديدة التي كشفها ميلاد الكلمة المتجسد في تاريخنا . ومشهد المسحة في الأردن يكشف أن يسوع الإنسان ممسوح بالروح قبل أن يدلف إلى مياه الأردن ، إذ هو جسد الكلمة الخاص، أي الشريك في وحدة أقنومية مع من يهب روح المسحة . وإذا كان الإنسان يسوع واحدا مع الابن فهو في ذات الحدث واحد مع الآب ومع الروح ، لأن الشخص ( من شخوص الثالوث ) لايحضر منفردا بل في شركة مع الشخصين الآخرين ، وبينما الإنسان يسوع كائن في وحدة أقنومية مع الابن ، فهذا يعني أنه في وحدة مع من هو في ضمنية متبادلة مع الآب والروح . أيضا معمودية الأردن - وظهور الروح مثل حمامة ، وسماع صوت الآب " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " - تكرس مسحتنا نحن ككنيسة ، وصيرورتنا موضوعا لمسرة الآب باجتماعنا كأعضاء في جسد ابنه . فلم يكن الآب - في الأردن - مخاطبا للابن - في لاهوته العاري ( naked )- بل كان مخاطبا الابن الظاهر في كنيسته المكتملة ، لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد معمودية الرب كمناسبة للاحتفال والفرح بمسحتنا فيه. ومشهد الصليب يكشف أن يسوع الإنسان مصلوب قبل أن يعلق على الخشبة، إذ هو جسد الكلمة الخاص الذي سمرت فيه كل أهواء البشرية وميولها الردية وإرادتها الضعيفة المنحرفة ، بفضل الكلمة الكائن معه ، في وحدة أقنومية لا تسمح  بأي عزلة أو خطية أو شر . هذا بالإضافة إلى أن مشهد الصلبوت المهيب يكرس لنا طريقا للخلاص بالشركة في آلام وموت الرب المحيي الذي نجتازه معه من خلال مماتية الروح القدس ، فنصلب الجسد مع الأهواء والشهوات   ، نصلب العتيق ، فيموت معه ،على حساب خلقة الجديد . لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد آلامه وموته للاحتفال بصليبه المحيي الذي كشفه لنا في ذلك الزمان ، كطريق لفصحنا نحو الحياة وعدم الموت . ومشهد القيامة يكشف أن يسوع الإنسان منتصر على الموت قبل أن يعلن ذلك في اليوم الثالث لموته ، إذ هو جسد الكلمة الخاص الشريك في حياة الكلمة ، بفضل الوحدة الأقنومية التي تجمعهما  في شخص واحد . هذا بالإضافة إلى أن مشهد القيامة يكرس ويدشن قيامتنا فيه وبه . لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد قيامته المظفرة للاحتفال بقيامتنا معه  بتدبير ظهور  باكورة قيامتنا وخلودنا ، الرب القائم ذاته . ومشهد الصعود يكشف أن يسوع الإنسان صاعد إلى السماء قبل أن يرتفع وسط دهشة تلاميذه الشاخصين إليه ، إذ هو جسد الكلمة الخاص الذي كان ظهوره كاشفا لنزول الكلمة إلى عالمنا ، ونزول الكلمة إلى الإنسان يعني صعود الإنسان في الكلمة إلى الآب . إذن بالإضافة إلى أن مشهد الصعود يكرس بدء زمن صعودنا فيه . لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد صعوده لنحتفل بتكريس صعودنا فيه إلى الآب ، فهاهي بشارة المجدلية إلى التلاميذ ، والتي حملت إياها من قبل الرب القائم  " إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"( يو20: 17 )، فهو يصعد مرتين ، مرة حينما صعد منذ أن صارت هناك وحدة أقنومية بينه وبين الكلمة ( إلى أبي ، إلى إلهي )، ومرة ثانية حينما يصعد كنيسته فيه إلى الآب ( إلى أبيكم ، إلى إلهكم ).  هكذا يكشف هذا المشهد  صعود إنسانيته بفضل التجسد ، ويدشن صعودنا بفضل إنضمامنا إليه.
  ثالثا : الإعلان التدبيري يشير إلى الحدث كاملا ، ولا مجال للرؤية التكاملية بين المشاهد المختلفة ؛ فلم نرصد أن أثناسيوس قال بتكامل مضامين المشاهد المختلفة ، مثل تكامل مضمون الصليب  مع مضمون مسحة الأردن ، مثلا ،  بل أن كل مشهد يكشف  مضمون تدبير التجسد كاملا . فالمسحة كشفت صيرورة الكلمة مسيحا حينما صار جسدا ، ولم يكن من الممكن أن يلقب بالمسيح مالم يكن قد ارتدى جسدنا . والصليب كشف عن الصورة الإنسانية عديمة الفساد التي صارت فيه منذ اول لحظة للتجسد . فلا يحتاج يسوع أن نحسب له رصيدا ما  قد حصل عليه بالمسحة ، ثم يضاف إليه ما قد حصل عليه بالصليب ، ثم القيامة والصعود إلى أن يبلغ ما ينبغي أن يبلغه . هذا وهم لا ينبغي أن ننزلق إليه ، والقديس أثناسيوس لا يعرف ترقيا حصل عليه يسوع ، الكلمة المتجسد ، غير نمو قامته بيولوجيا ، ونمو وعي معاصريه به كإله . ولقد كان من الضروري لأثناسيوس بحسب أسلوبه في الكتابة – في سياق دحضه لقول الهراطقة بأن الكلمة قد ارتقى كأجر فضيلة – أن يقرر صراحة بأن الذي ارتقى – بطريقة تدريجية تراكمية - هو جسد الكلمة الخاص ، وعليه تكون إنسانيته -وفقا لهذا الطرح -  قد ارتقت وتجددت صائرة عديمة الموت. ولكنه لم يقل بذلك ولم يشر من قريب أو بعيد إلى ذلك ، بل على العكس فقد قرر القديس أثناسيوس أن الترقي هو التحرر من الخطية ، إذن فكيف يستقيم هذا الأمر بخصوص من هو بلا خطية منذ بداية ظهوره بيننا ؟ الأمر الصحيح إذن هو أن الترقي والتطور الذي أحدثه الكلمة في جسده الخاص هو حدث نوعي ( كيفي ) وليس فعلا تراكميا ، وهو قد حدث بالفعل لجسد الكلمة الخاص ، منذ أن صار جسدا خاصا بالكلمة. 

                                    الخلاصة
 كل مشهد من مشاهد التدبير-  بمفرده -  هو مجرد لغة تخاطب البشر بقدر إدراك عقولهم، لتكشف عن الواقع النعموي الكامل الكائن في جسد يسوع ( كثمرة للتجسد ) منذ أول لحظة للتجسد، وتكشف عن ماسيكون كامتداد لهذه الثمرة ، انطلاقا من نبع النعمة ورأسها الرب يسوع إلى باقي أعضاء جسده أي الكنيسة. فالمشهد التدبيري كاشف لاستحقاق التجسد في يسوع التاريخي، منشئ لاستحقاق التجسد في الذين للمسيح عبر كل التاريخ.كل مشهد كاشف لتألهه الذي أصبح رأسا لتألهنا؛ فتجسد الله الكلمة وصيرورته إنسانا وجه لحدث وجهه الثاني تأله الإنسان؛ لذلك لم يكن جسده - للحظه واحدة ، منذ أول لحظة لتجسده - إلا مؤلها وممجدا ومنتصرا على الموت، بفضل كونه جسد الكلمة الخاص؛ أي الجسد الصائر في اتحاد أقنومي مع الله الابن. وأما تتدريجية - وتراكمية - إعلان هذه الحقيقة لتاريخ البشر- في مشاهد التدبير المختلفة من ولادة ومسحة وصليب وقيامة وصعود-  فهو أمر لا يعني بداية ونشاة مجد هذا الجسد في تلك اللحظات المرصودة تاريخيا في حياة الرب يسوع التاريخي، بل يعني احترام مشاهد التدبير المختلفة لطريقة إدراك وفهم البشر - المحدودة والمحكومة زمنيا - للأمور الإلهية؛ فمن المستحيل للبشر أن يدركوا ،مثلا ،أنه بفضل تجسد الكلمة وصيرورته إنسانا قد صار الإنسان منتصرا على الموت وقائما إلى الأبد منه،  من المستحيل إدراك هذا مالم يراه البشر معلقا على الخشبة حتى الموت، ويوارونه خلف الحجر المختوم ، ساعتئذ فقط يصبح حديث القيامة مقبولا. أن نؤمن أن القيامة حدث طارئ على جسد الرب المسجى في القبر- وليس أن عدم الفساد والحياة الأبدية هي حقيقة كائنة في إنسانية يسوع الكاملة ؛ لأنها شريكة في حياة الكلمة الحال، بكل ملئه، فيها - فهذا أمر يضرب الاتحاد الأقنومي بين الكلمة والإنسان في مقتل؛ فلا معنى لذلك الاتحاد إذا لم تكن الخليقة الإنسانية الجديدة، عديمة الموت، كائنة منذ أول لحظة للاتحاد، كدليل عليه وكثمرة تلقائية له.   
مجدي داود
      

الأربعاء، 23 أكتوبر 2019

البعد الإضافي للاسم في يونانية العهد الجديد ( 3 )





                           زبدة الدراسة

    للاسم في يونانية العهد الجديد خصوصية غير متاحة في اللغة العربية، على الأقل. فيتميز الاسم بإمكانية استخدام "أداة تعريف". ويلاحظ ورود الاسم أحياناً معرفاً وأحياناً أخرى في صيغة النكرة (بدون أداة للتعريف). والقضية ليست على ما قد تبدو عليه من الهامشية، فالملحوظة التي تم رصدها - في هذه الدراسة - هي أن هناك سياقاً محدداً لاستخدام صيغة "التعريف". وأيضا، هناك سياق آخر محدد لاستخدام صيغة "التنكير". 
وما تم رصده هو أن "الاسم المعرفة، المسبوق بأداة تعريف"، إنما يشير إلى الشخص بمفهومه المستقل كحالة مغلقة في مواجهة الآخر المتمايز عنه والذي لا تجمعه به علاقة آنية، حاضرة، أو فعل مشترك، يطرحه سياق النص، وإن كان الشخص بهذه الصيغة هو بمثابة دعوة للشركة، والدعوة بطبيعتها تطرح للمتلقي أن يختار بين خيارين: القبول والرفض. أما "الاسم النكرة، غير المسبوق بأداة تعريف"، فهو يشير إلى حالة مفتوحة من فعل آني، ديناميكي، هو فعل النعمة، الفعل الذي يكشف العلاقة مع الشخص وليس يقدم الشخص مستقلاً. تعريف الاسم يبرز الشخص كحالة مغلقة مكتملة، بينما تنكير الاسم يبرز الحدث النعموي الآني العامل في الكنيسة، في المسيح. الطرح السابق قد يبدو غامضا - وهو بالفعل كذلك ، وما نريد أن نؤكد عليه  هو أن أسماء الإلوهية والربوبية تحديدا ( مثل: الله، الرب، المسيح، أقانيم الثالوث، الخ ) إذا جاءت معرفة فالحديث يخص الشخص في صيغته المطلقة، أي خارج سياق رصد حدث النعمة، بينما مجيء الاسم بدون أداة تعريف، إنما يخص حالة مفتوحة من حدث النعمة الآني الذي تختبره الكنيسة، كعلاقة وكشركة مع الشخص الذي يشير إليه الاسم "النكرة". ويزداد الأمر تعقيدا بعض الشيء عند التعرض للأسماء المركبة، مثل: ابن الله، الروح القدس . وأهمية هذا الاكتشاف تتمثل في توفير قدرتين جديدتين: الأولى هي قدرة تفسيرية تأويلية، إضافية، للنص. وقد تعرضنا - في سياق الدراسة - لبعض الأمثلة التي قد يبدو فيها النص غامضاً، مشتبكاً، فتتدخل هذه الآلية في حسم، لتفض الاشتباك وتزيل الغموض. والثانية هي قدرة ترجيحية أكاديمية قد يستفيد منها أصحاب التخصص العالي من أساتذة الكتاب في ترجيح صيغة على أخرى في بعض النصوص التي حدث بينها اختلاف - في ورود أداة تعريف - أو حتى اسم ما - من عدمه - بين المخطوطات المرجعية للكتاب. وفي ما يلي بعض من أبرز الأمثلة – التي تطرقنا إليها - لاستخدام الأسماء، في بعدها الإضافي، في يونانية العهد الجديد :

                                 1- الله

 الصيغة المعرفة لاسم "الله" تشير إلى شخص الله في حيادية واستقلالية (في مقابل العالم)، ومن الناحية الموضوعية فالله اسم حيادي من نحو الجميع؛ فهو إله الإشرار مثلما هو إله الاخيار. والصيغة المعرفة تطرح في سياق نص يدعو للشركة في الله بواسطة ابنه المتجسد في البشر. والدعوة بطبيعتها تحتمل قبولا بنفس القدر الذي تحتمل به رفضاً، أما الصيغة غير المعرفة لاسم "الله" تشير إلى شخص الله المنفتح نحو العالم، تشير إلى حدث النعمة الآني في الله بالمسيح يسوع كاختيار محسوم بقبول الشركة في الله بواسطة ابنه المتجسد. التعريف دعوة  - تحتمل القبول كما تحتمل الرفض - بينما التنكير قبول للدعوة.

                                 2- الآب

1- الاسم في صيغة التعريف (o pater) يعني شخص الآب، الكائن في شركة الثالوث القدوس. وعندما يذكر هذا الاسم - بهذه الصيغة - فنحن بصدد سياق كاشف لعلاقة الشركة الديناميكية بين شخوص الثالوث (وفيها يتضمن الأقنوم كل أقنوم من الأقنومين الآخرين). ويصير كشف هذا السر العجيب "دعوة" للكنيسة لكي ما تصير شريكة فيه بالنعمة، أي تصير صورة للثالوث القدوس، وهذه هي النعمة التي من الآب بالابن في الروح القدس. 2- نسبة شخص الآب (اللفظة المعرفة) إلى الجمع المخاطب، إلى الكنيسة، تكشف تمايزاً لشعب الله عن الأشرار. هذا هو تمايز البنوة التي انتسب بها أفراد الكنيسة إلى الآب.3- الاسم غير المعرف (pater  )، تكشف حدث النعمة الحي الجاري في الكنيسة، الآن، في الكلمة المتجسد، الكلمة المرسل إلى العالم من قبل الآب. والإرسالية، هنا، هي حدث التجسد ذاته، الذي فيه استعلن الملء ومن ملئه تمتلئ الكنيسة، ونعمة فوق نعمة. الأمر هنا يختلف تماما عن ما تكشفه صيغة التعريف، فنحن هنا لا نتحدث عن مجرد دعوة للشركة في الثالوث – من المحتمل تلبيتها بالنعمة وأيضا من المحتمل عدم تلبيتها - بل نتحدث عن اختبار حي وفعال، اختبار آني، تحياه الكنيسة في الزمن الحاضر، وفيه تعلن قبول دعوة الشركة في الثالوث، وفيه يكتمل بنيانها كجسد للمسيح.
                                3-  الابن

1- الصيغة المعرفة (o huios) تعني شخص الابن، في إطار شركة الثالوث. وعندما يذكر اسم "الابن" معرفاً، فإن السياق يكشف بجلاء خطة وتدبير التجسد بإعطاء الابن إلى العالم. وخلاص البشر من الموت مشروط ومرهون بقبول هذه "الدعوة"، فمن يقبل شخص الابن له الحياة ومن يرفض يستمر في موته. فالابن بتجسده قد كشف مسرة الله بالبشر الذين قد أصبحوا شركاء فيه، وبالتالي قد أصبحوا شركاء في الثالوث القدوس بالنعمة، إذا قد نالوا التبني بانتمائهم للابن المتجسد الذي فيه قد تألهوا صائرين ورثة لله مع المسيح، في المسيح.2- الصيغة غير المعرفة (huios ) تعني شخص الكلمة المتجسد الذي يمتد بجسده الآن في الكنيسة. الحديث لا يشير فقط إلى خطة الله بخصوص التجسد، كدعوة للكنيسة -  تحتمل القبول والرفض - كما تشير الصيغة المعرفة - ولكنه يدخلنا إلى واقعية الحدث ذاته، حيث الكنيسة التي يكلمها الله في الابن والتي فيه تولد اليوم (أنا اليوم ولدتك)، والتي فيه جلست عن يمين العظمة في الأعالي، والتي فيه صارت أعظم من الملائكة، إذ صارت كائنة في اسم المسيح، وعليه فعندما يذكر اسم "الابن" بدون تعريف، فإن السياق يكشف بجلاء حدثا آنيا مفتوحا يمتد فيه الرب يسوع الكلمة المتجسد في كنيسته. وعبارة: "أنت ابني أنا اليوم ولدتك"، من المستحيل أن تشير إلى علاقة الآب بالابن على مستوى الثالوث وبمعزل عن النعمة، بل تشير إلى الابن المتجسد في البشر، تشير إلى ولادة الابن في الزمن، بتجسده. هذه واحدة مما يمكن أن تصنعه الآلية - موضوع الدراسة - من فك الاشتباك في بعض العبارات الملتبسة والتي لا يمكن أن تتكشف في الترجمة العربية، مثلا. وطبقا لمنطق هذه الدراسة، فبافتراض صحة تأويل العبارة على أنها خطاب الآب للابن (في المطلق، بمعزل عن الخليقة، خارج إطار النعمة)، فقد كان من اللازم أن يأتي اسم الابن في صيغة معرفة، وهذا لم يحدث.

                                 4- ابن الله

1- عندما تذكر الصيغة المعرفة (للشطرين) لاسم "ابن الله"(o" huios "tou" theou") فهي تعني  شخص الرب يسوع  التاريخي، الكلمة المتجسد. وليست تشير - بأي حال من الأحوال- إلى شخص "الابن" في علاقاته الثالوثية (أي خارج إطار النعمة). وعندما يذكر الاسم بهذه الصيغة فهو يقود سياقا "يدعو" إلى امتداد وافتراش استحقاقات سر التجسد، في كل الذين يقبلون الدعوة، فالرب يسوع "ابن الله" هو الأصل والباكورة وحجر الزاوية ورأس النعمة ومنبعها  التي تمتد في الكنيسة إلى حد الامتلاء  إلى قياس قامة ملء المسيح. 2- الصيغة غير المعرفة لشطري الاسم (huiou theou) تشير إلى حالة النعمة المفتوحة الآنية التي فيها تقبل الكنيسة تفعيل شهادة الرب يسوع التاريخي فيها، تقبل امتداد سر تجسده فيها فيها، تقبل ترأسه لها في حدث واقعي آني، وليس مجرد وعد أو دعوة أو خطة معلنة، بل حسم إيجابي لحساب قبول الكنيسة "دعوة" رأسها. 3- الصيغة التي تعتمد تعريف اسم "الله" فقط (huios "tou" theou) تشير إلى حالة من التشكك والظنية نحو شخص الرب يسوع التاريخي.
 ملحوظة مهمة
  من خلال تعرضنا للاسمين: "الابن"و "ابن الله" قد برزت أهمية البعد الإضافي للاسم في يونانية العهد الجديد، وقد تجلى ذلك في الإجابة على بعض الأسئلة بدون بذل أي مجهود في تأويل النص: فعندما يقول المبشر لمريم العذراء بأن وليدها يدعى "ابن الله" بسب حلول الروح القدس عليها، كيف نفهم هذا؟ هل كان لا يدعى ابنا قبل التجسد؟  وعندما يتقدم المجرب مستجوبا الرب: إن كنت "ابن الله" افعل كذا وكذا، كيف نفهم هذا؟ هل يتجاسر الشيطان ليجرب الله الكلمة، عن وعي؟ وعندما يقول الرسول بولس بأن "الابن" قد تعين "ابن الله" بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات، كيف نفهم هذا؟ ألم يكن ذاك معينا ابنا قبل القيامة؟   وعندما يخاطب الآب الابن: أنت ابني أنا اليوم ولدتك، كيف نفهم هذا؟ هل لم يكن مولودا منه قبل "اليوم"؟ وبالتأكيد الإجابة – على كل هذه التساؤلات - ببساطة هي  ماطرحته هذه الدراسة من أن " الابن ، ابن الله " الصيغة غير المعرفة تشير إلى النعمة الآنية التي في الابن المتجسد والتي انطلق حدوثها في الزمن ، وليس شخص الابن المستقل ، كما تشير إليه الصيغة المعرفة لشطري الاسم. أيضا يعطينا البعد الإضافي للاسم قدرة ترجيحية تساعدنا في الاختيار الحاسم في بعض الاختلافات الدقيقة بين الأصول والمخطوطات المرجعية للكتاب. فعلى سبيل المثال في بشارة الملاك للعذراء، وردت في بعض المخطوطات شبه الجملة: "منك: ek sou" (المولود منك)، وطبقا لمنطق هذه الدراسة تبدو هذه العبارة خارجة عن السياق، فصيغة "ابن الله" بدون تعريف للشطرين - الواردة في النص - لا تشير فقط إلى شخص يسوع، التاريخي، المولود من العذراء - مثل الصيغة التي تعتمد تعريف شطري الاسم - بل تشير إلى بدء زمن مجيء الكنيسة الكاملة. فلم تكن البشارة حدثا يخص العذراء وحدها، بل هي بشارة للبشرية كلها بظهور رأس وجودها الجديد، خارجا من رحم العذراء  ومعلنا بدء حدث مجيء الكل فيه.

                           5- الروح القدس

1- الصيغة المعرفة لشطري الاسم (to" pneuma "to" agion ") تشير إلى الشخص، والشخص - كما نقول دائما - "دعوة". شخص الروح القدس دعوة للإنضمام إلى شركة الثالوث القدوس  بالنعمة، دعوة إلى الشركة في الروح القدس كساكن أبدي في البشر.2- الصيغة التي تعتمد تعريفا لاسم "القدس" فقط (to" agion pneuma ") تشير إلى عطية الروح القدس كإمكانية وكقدرة متاحة وكمواهب، على مستوى الكل كما على مستوى الفرد. الحديث هنا ليس بخصوص وعد أو دعوة، بل بخصوص إمكانية وقوة وطاقة فاعلة تؤتي ثمارها في حالة قبولها.3- الصيغة غير المعرفة لشطري الاسم ( pneuma agion ) تأتي في سياق الحديث عن حدث النعمة الآني، فالأمر لم يعد مجرد دعوة (كما في حالة الاسم المعرف للشطرين) أو إمكانية أو قدرة معطاة (كما في حالة تعريف "القدس" فقط) بل قبول فعلي حي آني، من قبل الكنيسة لدعوة شخص الروح القدس.
ملحوظة مهمة
  في النص المزدوج الوارد في (أع 10: 45 و 46): عندما كان الحديث يشير إلى تمام قبول شخص الروح القدس كدعوة، جاءت الصيغة معرفة لشطري الاسم، بينما عندما أشار الحديث إلى انسكاب عطية الروح القدس على الأمم، التي ظهرت في التكلم بالألسنة والعظائم، جاءت الصيغة التي تعتمد تعريف اسم "القدس" فقط. وبخصوص ازدواج الصياغة بخصوص "التجديف على الروح القدس":- في النص الوارد في (مت 12: 24 - 32): عندما كان حديث الرب موجها إلى الفريسيين المرفوضين الذين تقولوا عليه بأنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، جاءت صيغة "الروح القدس" معرفة الشطرين، فالتجديف هنا هو رفض مبدئي لشخص الروح القدس من قبل هؤلاء المرفوضين. وأما بخصوص النص الوارد في (لو12: 1- 12): عندما كان حديث الرب موجها إلى التلاميذ، جاءت الصيغة ذات التعريف الأحادي لاسم "القدس" والتي تشير إلى الروح القدس المعطى كإمكانية وكقدرة، وهذا أمر منطقي، فالتجديف هنا يعني رفض الانصياع للروح القدس المعطى لهم، رفض لعمل الروح القدس الحال في المدعوين كقدرة وكطاقة لتفعيل دعوتهم.

                                6- الرب

1- الصيغة المعرفة، o kyrios ، دائما، تعني الشخص المستقل المتمايز. وشخص الرب كيان عجيب مدهش يتميز عن أي شخص آخر، بل هو يتميز عن ما يعنيه اسم "الله". وإن كان دائما يحدث الخلط بين الاسمين فهذا لا يعني أن ذلك موقف صائب. فشخص الرب يأتي في سياق النعمة، فالله لم يصر ربا إلا عندما صار خالقا. الألوهة لا تعني الربوبية ولكن الربوبية وظيفة وعمل اضطلع الله به ليكشف محبته في خليقته بأن يرعاها ويتسيد عليها، وبالطبع، قبل الخليقة لم يكن هناك أي من المربوبين وبالتالي لم يكن الله ربا. مفهوم "شخص الرب" يأتي متوازيا مع مفهوم النعمة. وبالتأكيد كان الله، في العهد القديم، ربا لشعبه ولكن في العهد الجديد استعلنت النعمة بتجسد الكلمة وبظهور الرب يسوع، التاريخي لم تعد الربوبية مجرد عناية مادية لشعب مآله الموت الطبيعي، بل أصبحت الربوبية والعناية وجودا في شخص الرب ذاته، أي في المسيح. وصار الرب يسوع رأسا لكيان ضخم هو الكنيسة، جسد الرب. وهكذا نحن الآن نحيا في سياق تكميل مجيء الكيان الكامل لشخص الرب. فشخص الرب ليس فردا منعزلا بل هو كيان جامع، كاثوليكي يضم كل شعب الرب، كل أفراد الكنيسة، وبدون أي فرد من المختارين يبقى شخص الرب ناقصا. وبدون وجود الكنيسة يبقى شخص الرب مجرد رأس بلا جسد. وبالرجوع إلى النصوص نجد أن شخص الرب هو كيان ينضم إليه المؤمنون ويثبتون فيه ، وهو الوطن البديل، الباقي، للمؤمنين عوضا عن وطن غربتهم البائد، الجسد ، وهو ثمر الكون كله الذي يتحقق متراكما في أناة حتى ينال المطر المبكر والمتأخر، لكي يكتمل كل ملئه، يكتمل مجيء شخص الرب  .2- صيغة "شخص الرب يسوع المسيح" ( تعريف الرب فقط) تشير إلى ملء وكمال شخص الرب وإلى ملء وكمال مفهوم الربوبية بكمال الجسد بكل أعضائه وليس مجرد الرأس (الرب يسوع التاريخي).    بينما صيغة "شخص الرب يسوع "( تعريف الرب فقط ) تشير إلى رأس الكيان ومنبعه وحجر زاويته الممتد في الكنيسة، أي أنها لا تشير إلى الكيان الممتلئ بل إلى الكيان المتنامي، الممتد، المتعاظم، وهذا يعطينا قدرة وآلية نقدية نستطيع بها أن نرجح عدم صحة ورود اسم "المسيح" في بعض الأصول المرجعية للعهد الجديد. 2- صيغة "الرب" بدون تعريف ( kyrios ) تدخلنا في سياق حديث النعمة، الآني، حديث امتلاء كيان الرب بكنيسته، حديث قبول الكنيسة لولوج شخص الرب والتموقع والاستيطان والعضوية فيه. لذلك فإذا عدنا إلى الاقتباسات فإننا نجد أن سياق الحديث قد تغير من علاقة المعية بين الكنيسة وشخص الرب يسوع، رأس الكيان- في مجيئه - ومن علاقة الضمنية التي تكشفها صيغة "شخص الرب يسوع المسيح"، إلى علاقة الدخول الديناميكي الآني إلى شخص الرب:  فالآتي المبارك المنتظر، ملكوت الله (مملكة أبينا داود) هو جوهر ومضمون اسم الرب، هو آت الآن في اسم الرب . وهنا تجدر الإشارة أن إدراكنا الذي يمثله منطق هذه الدراسة يجعلنا نستبعد عبارة "باسم الرب" الملحقة بمملكة أبينا داود، الواردة في بعض الأصول المرجعية للعهد الجديد، فمضمون وجوهر "اسم الرب "هو مملكة داود، هو الكنيسة الآتية، الآن. الكنيسة هي الآتي  في اسم الرب، هي المملكة التي يكرسها – الآن - الرب يسوع الكلمة المتجسد - الذي أعطي له كرسي داود. . في الرب، تبنى الكنيسة، الآن، هيكلا مقدسا، مسكنا للروح، على حجر الزاوية الرب يسوع، الكلمة المتجسد . الكنيسة هي ربوات القديسين الذين يتحققون، الآن، مالئين شخص الرب ومحققين مجيئه وحضوره الكامل . الكنيسة تتحقق، الآن، في يوم الرب بطريقة مستيكية لا يدركها العالم الذي سيفاجأ بزوال العالم لحظة امتلاء الكنيسة، لحظة امتلاء يوم الرب. اللحظة التي تنتظرها الكنيسة لأنها لحظة كمالها وامتلائها، أما العالم فستكون هذه اللحظة بالنسبة له بمثابة يوم الله الذي حدده لنهاية العالم المباغتة. ويجب أن نلاحظ هنا أنه في سياق الحديث عن نهاية العالم بالنسبة للكنيسة، قد استخدم تعبير "يوم الرب "بينما بالنسبة لأهل العالم قد استخدم تعبير "يوم الله"، فشخص "الرب "يعني النعمة والإيجابية، أما شخص "الله "فهو شخص حيادي ( إذا  جاز التعبير) يتعاطى مع الجميع أشرارا وأخيارا، لذلك فالذي يباغت الأشرار هو "يوم الله "أما الذي ينتظره الأخيار فهو "يوم الرب".

                               7- المسيح

إذا أردنا أن نعبِّر عن المحددات التي تخص لقب "المسيح"- من خلال صياغاته المختلفة في النص اليوناني، لاسيما في رسائل بولس الرسول - نستطيع القول بأن المسيح هو:
1- الشخص الممتلئ، الكامل، المستوعب للكنيسة. هذا هو مدلول صيغة: "o Christos "، الصيغة المعرفة، وهي الصيغة المغلقة، المحسومة، الإسخاطولوجية، eschatos، إن جاز التعبير)، وحينما تذكر فهي دعوة لامتلاء الكل، بالذي يمتلئ بالكل، الذي هو شخص نهاية التاريخ، الذي يجتمع فيه الكل إلى إنسان كامل، إلى جسد واحد، هو رأسه.هو الشخص الذي فيه" رجاء الدعوة "التي دعيت إليها الكنيسة (مدلول عبارة "en tw Christw"، الصيغة الرجائية الإسخاطولوجية، إذا جاز التعبير).
2- الشخص الذي يمتلئ الآن، ويتحقق باستيعابه للكنيسة. هذا هو مدلول صيغة: "Christos"، الصيغة غير المعرفة. وهي الصيغة المفتوحة، "الآنية"،" الحاضرة "، إذا  جاز التعبير).  هو الشخص الذي يتعاظم ويتصور - الآن - في الكنيسة، في حدث النعمة الذي يختبره المؤمنون. يختبرون شركة موته وشركة قيامته. يختبرون "معيته". يتلبسونه كرداء عندما يصطبغون به في المعمودية .- هو الشخص الذي يتحقق ويحضر الآن، في "يوم الرب يسوع المسيح". هو الشخص الذي فيه "الدخول إلى تحقق الرجاء الحي الفعال"، فيه الدخول "الآني" إلى الخليقة الجديدة (مدلول عبارة "en Christw"، الصيغة الرجائية الحاضرة في حدث النعمة،إذا جاز التعبير .
3- الصيغة المركبة من " يسوع " و " المسيح" ، الاسمان بدون تعريف ، ولدينا هنا صيغتان: الأولى " يسوع المسيح" (Iesous Christos ) والثانية " المسيح يسوع " (Christos Iesous).  الأولى تشير إلى حركة استهدافه الآنية لنا- بامتداده فينا محققا انتماءه إلينا كرأس للكنيسة. والثانية تشير إلى حركة انتمائنا الآنية، إليه، به، والتموقع فيه كأعضاء في جسده الذي هو الكنيسة. الأولى هي كشف المسيح عن كنيسته بمجيئه فيها. والثانية هي شهادة الكنيسة ليسوع بتكميل جسده والعضوية فيه. الأولى هي اتجاه النعمة النازل من الرأس يسوع إلى باقي الجسد الكنيسة، والثانية هي اتجاه النعمة الصاعد باستحضار ولملمة الأعضاء إلى الرأس. الأولى هي صيغة مجيء المسيح في الكنيسة والثانية هي صيغة مجيء الكنيسة في المسيح. الأولى هي حركته إلينا. و الثانية هي حركتنا إليه . الصيغتان وجهان  لحدث واحد من منظورين ( اتجاهين ) متعاكسين.
  4- الشخص، موضوع الدعوة، والبشارة، والكرازة الإنجيلية الموجهة لكل العالم والتي قد قبلتها الكنيسة (مدلول صيغة: o Christos Iesous =  تعريف " المسيح" فقط ) وهي الصيغة الكرازية، التبشيرية، إذا جاز التعبير .
مجدي داود


الخميس، 17 أكتوبر 2019

الاحتواء المتبادل بين أقانيم الثالوث ( 4 )


                     

                      
                         
                        زبدة المقالات الثلاث
  

1-  إذا تحررنا من قيود انطباعاتنا الزمكانية عن مفردات اللغة البشرية، فاستطعنا أن نجرد مفردة " الاحتواء " من ماقد يصلنا من مدلول مكاني محدود، لها  - مثلما استطعنا ، بداية ، أن نجرد مفهوم " الولادة " و" الانبثاق " من مدلوليهما لدينا ،  منذ قبولنا الإيمان - إذا تحررنا من هذا الأمر بالإضافة إلى توفر قناعة بأن الاحتوائية المتبادلة هي مفهوم يعني المبادرة الديناميكية الفاعلة من قبل كل شخص نحو كل شخص من الشخصين الآخرين ، أي السببية المتبادلة؛ ففيما يؤقنم  الشخص الجوهر الإلهي مظهرا إياه من منظور هويته الشخصية - كطبيعة متأقنمة وليست مجرد طبيعة " عارية "( إذا جاز التعبير) - فهو يصنع أمرا آخرا من نحو الأقنومين الآخرين إذ يتضمنهما ويستوعبهما ويحتويهما ، لأنه  " هوموأووسيوس " بالنسبة لكل منهما ؛ فأبوة الآب تستوعب وتحتوي بنوة الابن، وتستوعب وتحتوي انبثاقية الروح القدس . والأمر ذاته قائم من المنظور المعاكس في تبادلية مدهشة ، أي من قبل الابن والروح نحو الآب ، فضلا عن مابين الابن والروح ، والروح والابن . تبادلية تتم في تواز وتزامن سرمدي ليس له إلا  ثمرة واحدة وهي تحقق الوجود الإلهي ذاته . إذا أدركنا ذلك، وحررنا أذهاننا من تلك، نكون قد أدركنا - على قدر استطاعتنا - مفهوم الاحتواء المتبادل بين الأقانيم الثلاثة التي للثالوث القدوس.
 2- ليست القضية هي الدوران في متاهة التفاصيل اللاهوتية، ولكن جماع القول وخلاصته هو أن علاقة الاحتواء المتبادل بمضامينها المختلفة- من الاستعلان والسببية والمحبة والحركة – هي علاقة وجودية، هي أعجوبة الأنطولوجيا الإلهية ؛ فالاستعلان هو استعلان وجودي، أي اعتلان الله ذاته موجودا وجودا شخصيا. والسببية هي سببية وجودية، أي المبادرة المتبادلة بين شخوص الثالوث لتحقيق الوجود. والمحبة هي محبة وجودية، أي عطاء الوجود ( الذات ) المتبادل بين شخوص الثالوث. والحركة هي الحركة الوجودية المطلقة التي يتحقق بها وجود الله من الآب بالابن في الروح القدس. وخلاصة الخلاصة هي أنه إذا التزمنا بتحييد الخريستولوجيا والسوتريولوجيا فإن   شركة الثالوث القدوس تتجلى أمام عيون أذهاننا لا كنظرية فلسفية لاهوتية ولكن كشركة للفعل الوجودي الآني المطلق الذي فيه يخترق الله العدم اختراقا سرمديا في احتواء وجودي متبادل بين أقانيم هذه الشركة. فالله ليس فكرة والوجود الإلهي ليس فلسفة ، والله هو الله بالحقيقة لأن وجوده لايعود لآخر غيره فاستحقاق الألوهة عنده يعود إلى تلك الآخرية الذاتية العجيبة التي في السببية المتبادلة بين الأقانيم، فهو الكيان الحي الوحيد الذي يتمتع بآخرية ذاته ؛ فهو الموجود من ذاته وهو الموجد لذاته وهو النابع من ذاته ليصب في ذاته، أي الاحتواء الذاتي ( من قبل كل أقنوم تجاه الجوهر الإلهي ) المتلازم مع الاحتواء المتبادل بين كل أقنوم والأقنومين الآخرين، هذا هو مضمون مصطلح ال " perichoresis ".
   3- في سياق تضارب تعددية المفاهيم - من ناحية – واختزال المفهوم – من ناحية أخرى- ينشأ اللغط وتتعقد الرؤى، ومصطلح " perichoresis  ) نموذج لهذا الآمر . هل هو حلول أم احتواء؟ متاهة اللغة تنم عن افتقاد للمفهوم العميق الذي ليست الألفاظ كل جوهره. كان المفهوم جليا عند الآباء العظماء : أثناسيوس وهيلاري وكيرلس، ولم يكن قد نحت المصصلح بعد. المفهوم دائما يسبق اللفظ والحرف، إلى أن يستدعى الحرف واللفظ ليتبلور المصطلح. لذلك قد بات من الضروري تحرير وضبط المصطلح ، ولعل المدخل لهذه المهمة هو طبيعة مفهوم المصطلح ذاته، فهو يرصد فكرة "العلاقة"، والعلاقة دائما متعددة الأطراف، وإذا ولجنا أكثر إلى المناخ الذي يطبق فيه المصطلح لوجدنا أننا أمام نمطين من العلاقة: علاقة طبيعية متماثلة وهي العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، وعلاقة غير متماثلة بين طبيعتين مختلفتين . الأصل في النوع الأخير هو العلاقة بين الكلمة وناسوته القائمة في اتحاد أقنومي يحدث فيه تبادل للصفات بين الطبيعتين ، ثم العلاقة الناشئة كامتداد في الكنيسة أي التأله، علاقة أعضاء جسد المسيح بالرأس  الرب يسوع. لابد ومن دون شك أن يستخدم مصطلحان مختلفان لتوصيف هذين النمطين من العلاقة ، وفي اعتقادي أن العلاقة الطبيعية التي في احتواء المحبة المتبادل بين شخوص الثالوث -ونظرا لطبيعتها الديناميكية- يناسبها ال " perichoresis "؛ فالمفهوم الاصطلاحي واللغوي للكلمة يشع حركة، وفي اعتقادي – وهذا رأيي – لم يعرف اللاهوت كلمة تكمن فيها القدرة على شرح الثالوث مثل هذه الكلمة . أما النمط الآخر من العلاقة، أي مابين الطبائع المختلفة فيناسبها المصطلح الأحدث جدا " co-inherence " الذي يفيد نوعا من الحضور والحلول والتواجد المتبادل  "  co-indwelling" هذا المفهوم الذي بلغ ذروته بالاتحاد الأقنومي بين لاهوت الرب وناسوته، وأيضا بالنعمة يحدث للبشر هذا الحلول المتبادل في المسيح، أي التأله. إذن لدينا في الثيئولوجيا كلمة " perichoresis "، ولدينا في الخريستولوجيا والإيكونوميا كلمة " co-inherence ". هذا هو اقتراحي لفض الاشتباك. والخلط قد يحدث بسبب العلاقة العضوية - إذا جاز التعبير - بين المفهومين ، فدخول البشر في مظلة شركة الثالوث هو صورة العلاقة الثالوثية ذاتها؛ فعندما يستحضر البشر كأبناء للآب بالعضوية في جسد الكلمة في الروح القدس - وقد حدث بينهم وبين الابن المتجسد ذلك الحلول المتبادل - فهم يختبرون الصورة النعموية الأبدية للاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث ، وكما يعطي كل شخص  - من شخوص الثالوث - ذاته كاملة إلى الشخصين الآخرين دون أن ينتقص منه شيء بسبب وحدة الجوهر ، يعطي القديسون كل ذواتهم للكلمة المتجسد فيتكمل بهم جسده ، فالرب محتاج إليهم ( مر 11: 3) لأنه لارب بلا مربوبين ، ولاجسد بدون أعضاء إلا إذا ظل رأسا إلى الأبد ، وهو لم يتجسد إلا ليكون جسدا كاملا. وما أروع أن يبادر العتيدون أن يصيروا أعضاء في جسد الرب باغتنام فرصة سانحة أمامهم لتكميل كيان ربهم، مالئين ماقد أعد لهم فيه، فيبادلهم الرب العطاء تأليها. وهكذا فإن تألهنا (الذي يتحقق بحلولنا المتبادل مع الكلمة المتجسد ) هو الشركة النعموية الأبدية، في الوجود الإلهي ( الذي يتحقق بالاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث ). والرب قد أعلنها جلية مخاطبا الآب :" أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد " ( يو17: 23 )، " ليكون الجميع واحدا ، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا "( يو17: 21 ).
 وأخيرا أدعي أن مصطلح الاحتواء المتبادل "  perichoresis " قد تعرض لظلم تاريخي باختزال مفهومه لحساب الخريستولوجيا والإيكونوميا، وقد حدث هذا في ظروف وملابسات يمكن تفهمها، أقصد الصراع المرير مع الهرطقات الكبرى : الآريوسية والنسطورية وفتنة خلقيدونية وغيرها. وفي هذا السياق تم الاكتفاء - تحت ضغط الصراع حول مساواة الابن المتجسد بالآب - بشرح الثالوث من منظور النعمة وهو بالطبع أمر جيد ولكنه ليس كافيا، وسيظل من المتوجب دائما بذل المجهود المضني في ابداع الكتابة اللاهوتية ، من كلمات وتعبيرات جديدة تسبر أعماق هذه العلاقة العجيبة في إطار الثيئولوجيا فقط لتعويض ذلك النقص الفادح الذي أخل بالتوازن بين شرح الثالوث  المستعلن في الألوهة الواحدة - التي من الآب بالابن في الروح القدس - وبين شرح الثالوث  المستعلن في النعمة الواحدة - التي من الآب بالابن في الروح القدس .

 مجدي داود

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2019

الاحتواء المتبادل بين أقانيم الثالوث ( 3 )




                             اعتراضات وردود

  في سياق الحوار غير المباشر الدائر على صفحات موقع الدراسات القبطية   بخصوص " الحلول والاحتواء "، وقد بدأ بعدة تعليقات لي على مقال للدكتور جورج ، كان قد نشر منذ عدة سنوات - تحت عنوان " الحلول المتبادل لأقانيم الثالوث ( 1و2 ) "، وفي أثناء تلك السنوات ، وفي مواضع عديدة على الموقع ، أشار أستاذنا إلى كثير مما ورد في تعليقاتي على المقالين. وفي هذه المقالة أحاول أن أعقب على بعض هذه الإشارات من باب  إثراء حوار لاهوتي راقي وليس من باب المبارزة أو المناظرة.
المشكلة في الاختزال 
جوهر المشكلة – بخصوص مصطلح " perichoresis  " – هو اختزال المفهوم  إلى مايخص التدبير ويتم تهميش - بل تجاهل – أي شرح لاستعلان   الألوهة خارج  التجسد.    .   
اقتباسات
- "  الآب يحل في الابن والابن في الآب. الروح يحل في الابن وفي الآب. هي حركة حياة الثالوث عندما تجسد ابن الآب الوحيد  " الكائن في حضن الآب "(يوحنا 1: 18) ( الحلول المتبادل لأقانيم الثالوث -1)
- والحقيقة أن التمييز الذي يتجاوز التدبير المستعلَن بتجسد الابن، هو تمييزٌ لغويٌ لا أساس له في الواقع، أي في الحياة الالهية. فمن تجسد الرب الابن الوحيد، عرفنا الآب، وقبلناه بالروح القدس بالابن، وخارج التدبير لا يوجد استعلان قائم بذاته للثالوث. ( الحلول المتبادل - التجسد والثالوث )  
- ومن تدبير الخلاص نعرف أننا لانحتاج إلى شرح الثالوث خارج تدبير الخلاص ( رسائل الأب صفرونيوس، ج3، الثالوث القدوس توحيد وشركة وحياة ص: 27، موقع الدراسات القبطية والأرثوذكسية )
تعليق
بالتأكيد كان الاتجاه الغالب عند الآباء هو شرح الثالوث من منظور خلاصي خريستولوجي، ولما لا فالنعمة هي استعلان حضور الثالوث في الخليقة، الأمر الذي بلغ ذروته في التجسد، ليمتد في الكنيسة. لكن هذا لايبرر اجهاض أي محاولة لفهم الثالوث في ذاته. أليس استعلان شركة الثالوث هو استعلان ذاتي سرمدي قبل أن يصير استعلانا نعمويا زمنيا، في الخليقة؟ أليس الاستعلان يعني الوجود، وإلا يصبح الله محتاجا إلى الخليقة كي يعتلن فيها ذاته وليس يعلن ذاته فيها كتعبير عن صلاحه ومحبته ؟ هل العجز في فصل الإيكونوميا عن الثيئولوجيا سيظل دائما أمرا يدعو للفخر ؟
والآن قد بات من حقي أن أسأل أستاذنا الدكتور جورج بخصوص المعزوفة اللاهوتية الآتية:
" الروح القدس هو روح الآب الذي من عند الآب أي أنه ليس الآب، ولكنه العطاء المتبادل بين الآب والابن . وعندما يعطي الآب ذاته للابن في الروح القدس، فهو عطاء من واحد للاثنين، وهذا يجعل العطاء مطلقا.. وكذلك عندما يولد الابن من الآب، فهو يحمل كل صفات الآب وقدراته ويعطي ذاته للآب في الروح القدس، أي عطاء الابن للآب والروح. وعندما ينبثق الروح القدس من الآب فهو يستقر في الابن، ويعطي ذاته للابن والآب، ولذلك العطاء دائما من أقنوم إلى أقنومين.من الآب للابن والروح، أو من الابن للآب والروح، أو  من الروح للآب والابن. وهذا يجعل العطاء كاملا ومطلقا، فهو لايعطي ذاته لواحد دون الآخر، بل يعطي ذاته للاثنين معا.وهذا يجعل صورة  المحبة ليست ثنائية بين اثنين ، بل ثلاثية بين ثلاثة، وهذا هو المثال المطلق الذي ينزه المحبة عن الأنانية ويجعلها عطاء لايتوقف"  ( حوار عن الثالوث مع دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء، موقع الدراسات القبطية والأرثوذكسية ، ص65 )
ماهذه الروعة أستاذنا ، إنني لا أطمع في مستوى للكتابة  - عن الثالوث - أفضل من هذا المستوى، ولكن دعني أتساءل : أين الخريستولوجيا والإيكونوميا والنعمة من هذه القطعة اللاهوتية الفائقة الجمال؟ هذا حديث خارج الزمكان، حديث السرمدية الذي يشرئب   ليطل على مالايمكن إدراكه في وجودنا المادي هذا. فلماذا نتناقض مع أنفسنا فنعطل سعينا المعرفي مكبلين أنفسنا بفرضية أنه لاشرح للثالوث خارج التدبير ؟  
  النتائج المنطقية للاختزال
1- رفض الاحتواء
 إذا اختزل مفهوم المصطلح إلى العلاقة بين الطبيعتين في الرب يسوع؛ أي  الاتحاد الأقنومي بين لاهوت الابن وناسوته ، أو إلى العلاقة بين الابن والبشر في المسيح ؛ أي التأله، وتناسينا تماما أي مدلول للمصطلح بخصوص شرح الثالوث كشرح للوجود الإلهي ذاته ، إذ كان هذا صحيحا فإننا من المنطقي أن نخلص إلى نتيجة مفادها أنه لايليق بنا استخدام كلمة " احتواء " بالمرة لما توحي به من انطباع مادي سلبي ، انطباع عن القهر الصادر من طبيعة نحو أخرى، والمنطقي أن الإلهي هو الذي يقهر البشري ويسلبه حريته.
اقتباسات
- " لعل الحافز الأساسي لكتابة هذا المقال هو ترجمة الكلمة اليونانية Perichoresis إلى  "احتواء "، وهو ما لا نوافق عليه.." ( الحلول المتبادل  لأقانيم الثالوث-2، موقع الدراسات القبطية والأرثوذكسية )
- " نحن لانحتوي الثالوث، ولايحتوينا الثالوث لأن الاحتواء اغتصاب " rape " ، بل يحفظ الثالوث حريتنا ، لأنه عندما تنعدم الحرية تنعدم المحبة " ( لماذا تعذر شرح الثالوث القدوس ، موقع الدراسات القبطية ، ص: 14 )
- " خطورة الاحتواء تبدو في أنه ينفي ديناميكية حرية وحركة المحبة. لأن اللاهوت يعمل بواسطة الناسوت، وهو ليس عملاً آلياً تنعدم فيه الإرادة والمحبة الإنسانية، أو أنها تحتوى، بل تتحد بالإرادة الإلهية وتصبح إرادة واحدة من إرادتين". ( الحلول المتبادل لأقانيم الثالوث-2 )
تعليق
هكذا يقودنا اختزال المفهوم إلى هذه النتيجة المنطقية ، صورة بشعة للاحتواء لطالما كان المفهوم بمثابة علاقة بين طبيعتين غير متكافئتين وغير متماثلتين، أما إذا عدنا إلى الأصوب وهو أن الاحتواء المتبادل - في الأصل -  ينطبق أكثر على العلاقة الثالوثية حيث الاحتواء هو احتواء سببي ، احتواء المحبة المتبادل؛ كل شخص يحتوي - سببيا - الشخصين الآخرين، بمبادرة حرة منه. وكل شخص يقبل احتوائية الشخصين الآخرين له . لايوجد من يقهر الآخر، في علاقة متماثلة كاملة، وكل شخص يعطي كل جوهره للشخصين الآخرين دون أن يفقد شيئا من جوهره لأنه هوموأوسيوس مع الشخصين الآخرين.
  2- رفض مناقشة مفهوم الوجود الإلهي
إذا تم اختزال تطبيق مفهوم المصطلح في مجال النعمة فقط، يصبح الحديث عن الوجود الإلهي أمرا لامعنى له، بل يصبح أمرا مرفوضا.
اقتباسات
  - " الله غير موجود؛ لأن الموجود اسم مفعول، ويعني أن هناك آخر أوجد الله. كلمة الوجود قاصرة على المخلوقات فقط" .
- " ولأن الأسفار المقدسة والآباء لم يستخدموا كلتا الكلمتين ( الوجود والموجود ) في شرح الإيمان بالله، صار الوجود المتبادَل تعبيراً غير مقبول لاهوتياً؛ لأن الآب في الابن حياة واحدة، ومحبة واحدة ".( الحلول المتبادل- التجسد والثالوث – موقع الدراسات )
تعليق
إذا رفضنا كلمة " موجود " لانها اسم مفعول فقد بات واجبا علينا أن نرفض كلمة " مولود " لأنها أيضا اسم مفعول. أما أن اسم المفعول يوحي "بالآخر" الذي يحقق الوجود الإلهي فهذا لايعني مشكلة بالنسبة  للوجود  الإلهي القائم بطبعته على الآخرية، " الآخرية الذاتية "؛ فالله هو الكائن الحي الوحيد المولود ( الموجود ) ذاتيا. الفاعل والمفعول كلاهما في علاقة ضمنية ، في احتوائية سببية، الأمر الذي لايعني أن آخرا قد تدخل في الفعل الوجودي الإلهي؛ فالله هو الموجد لذاته ( كآب )، وهو الموجود بذاته ( كابن )، وهو المنبثق من ذاته ليستقر في ذاته ( كشخص الروح القدس ). الوجود الإلهي يتحقق كثمرة  لعلاقة الاحتواء المتبادل ( perichoresis  ) بين شخوص الثالوث القدوس ـ وأما ولوجنا النعموي إلى هذه العلاقة، فهو سر وجودنا نحن. هو يوجد بذاته ونحن نوجد به.    
     الإنجيل يدحض فكرة الاختزال
يبدأ الإعلان الإنجيلي اللاهوتي حديث النعمة بعبارة " كل شيء به كان.." ( يو1: 3 ) ، ويبدأ حديث الإيكونوميا بعبارة " والكلمة صار جسدا وحل بيننا "( يو1 : 14) ، فإذا كان الأمر هو أن خارج التدبير والخلاص لايوجد استعلان للألوهة فإين نضع استهلالية انجيل يوحنا "  فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ.( يو1: 1و2 ) ؟ هل بدأ الإنجيل بعبارة " كل شيء به كان " ؟ لو كانت بداية الإنجيل تنطلق من  استعلان الكلمة الخالق لكان من حقنا أن نتساءل : مالجديد الذي أضيف لنا في المسيح لنتميز عن  بدء العهد القديم 
،" في البدء خلق الله السموات والأرض ( تك1:1 ) ، فنتنازل عن ما أعطي لنا من معرفة شركة الثالوث، أم يجب أن لانهدر معرفة البدء الأزلي فلا نرتد إلى بدء القدماء الذي هو بدء الخليقة  ؟ وبالتأكيد إن استهلالية انجيل يوحنا هي عبارات لاعلاقة لها من قريب أو من بعيد بالخريستولوجيا أو الإيكونوميا أو السوتريولوجيا أو النعمة بصفة عامة، فهي المعزوفة الافتتاحية للإنجيل التي تفتح عيون أذهاننا أمام الأنطولوجيا الإلهية التي هي أصل وجذر أنطولوجيتنا التي سيبدأ الحديث عنها بعد الافتتاحية. وبالرغم من أن إنجيل يوحنا  يضم بين دفتيه  جوهرة التاج في حديث الإيكونوميا ، أقصد " يو 17"، إلا أن الرسول يوحنا قد آثر أن يستهل إنجيله بحديث الأنطولوجيا الإلهية الخالص كمنطلق لأي شيء يتم الحديث عنه فيما بعد .
 الآباء يدحضون فكرة الاختزال
   يعلمنا التاريخ اللاهوتي أن احتياجا ضاغطا لمفهوم ما قد يشكل بيئة مواتية لاصطكاك مصطلح أو نحت تعبير معين يكون كافيا لفض الاشتباك ولبلورة الفكرة العظيمة في مصطلح حاسم قابل للبناء عليه. حدث هذا مع مصطلح مثل :  الهوموأوسيوس، وحدث أيضا مع المصطلح موضوع احتفاليتنا ، ال " perichoresis " . وهكذا وجدنا أنفسنا أمام نصوص آبائية ،لاأروع ولاأقوى، تشرح أيما شرح وتؤطر أيما تأطر لمفهوم الاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث القدوس، في تحييد كامل للخريستولوجيا والإيكونوميا والسوتريولوجيا؛ أي مناقشة الموضوع على أرضية الوجود الإلهي ذاته وليس على أرضية النعمة ، ويحدث هذا دون أدنى ذكر لل" perichoresis  "، الذي ظهر فيما بعد عند غريغوريوس النيزينزي في صيغة الفعل ثم عند مكسيموس المعترف - لأول مرة في صيغة الاسم المتعارف عليها، ولكن - وهذا هو المدهش – لن نجد أساسا يمكن البناء عليه لاكتشاف أعماق منحوتنا العبقرية أفضل مما كتب هؤلاء الآباء مهيئين البيئة الفكرية اللاهوتية لظهور المصطلح :
1- في المقالة الثالثة ضد الآريوسيين ( 23: 1 ) يستخدم القديس أثناسيوس الرسولي مفهوم " الاحتواء المتبادل" كسلاح بتار يجهز به على تلك الأذهان المنحرفة التي أنكرت مساواة الابن للآب، وهم لأنهم ينكرون مساواة الابن بالآب ، فمن المنطقي أن ينكروا الاحتواء المتبادل  بينهما ليتم اختزال الأمر  في علاقة أشبه  بعلاقة النعمة كقول الآية " به نحيا ونتحرك ونوجد ". ويرفض أثناسيوس سؤال الآريوسيين الاستنكاري : " كيف يمكن أن يحتوي الواحد الآخر والآخر يحتوى في الأول ؟ أو كيف يمكن أن يحتوي الآب الذي هو أعظم ، في الابن الذي هو أقل منه ؟ و رفض الاستنكار هو الإقرار بعينه .  ويرفض أيضا أن العلاقة الثالوثية  علاقة " امتلاء متبادل " ، كأن يفرغ الشخص ذاته في الآخر ليملأه ، لأن الشخص كامل وتام في ذاته . ويرفض أثناسيوس أيضا كون أن  العلاقة الثالوثية  يمكن أن تعبر عنها عبارة " به نحيا ونتحرك ونوجد"، لأن الأخيرة تخص النعمة ومن المستحيل أن تنطبق على هؤلاء المتساوين في الألوهة الواحدة التي لكل منهم. وعليه فالعلاقة التي فيها يعطي الشخص كل كيانه للآخر لكي يتم احتواؤه فيه - دون أن يفقد كيانه الكامل الدائم  ، بينما هو ذاته يتقبل كل كيان الأول محتويا إياه - دون أن يفقده كيانه الكامل الدائم  - مثل هذه العلاقة هي عين علاقة الاحتواء المتبادل. هل لذي عين تبصر أن ينكر أن مايتحدث عنه أثناسيوس هنا هو الصيغة النقية "pure " من "trinitarian perichoresis   " دون أن يكون مضطرا لأن يتطرق في ذات السياق إلى الخريستولوجيا أو الإيكونوميا بل العكس هو الصحيح فقد آثر أن يستبعد خلط مفهوم النعمة بمفهوم العلاقة الثالوثية في الآية التي استشهد بها الآريوسيون ؟.  
2- في كتابه " الكنوز في الثالوث "يسلك القديس كيرلس السكندري مسلك أستاذه أثناسيوس، وفي المقالة الثانية عشرة ينطلق من منطلق الأستاذ في شرح عبارة " أنا في الآب والآب في " ( يو14: 11 ) ليدحض فكر الآريوسيين المنادي بعدم مساواة الابن بالآب مستخدما نفس السلاح ، الاحتواء المتبادل بين الآب والابن ، ومستنكرا خلط الهرطقة للأوراق الذي   جعلهم يستخدمون عبارة " به نحيا ونتحرك ونوجد " لجعل الابن مساويا لنا، وهكذا يفرق بين مفهوم النعمة الذي لنا و مفهوم الألوهة الكاملة الذي له. ويستفيض الرجل كثيرا ليتطرق إلى حديث الاتحاد في "يوحنا 17" ، وفي شرحه ل: " ليكونوا واحدا كما نحن "( يو17: 11 )  ول " أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد "( يو17: 23 )، في هذا المشهد المختلط للوجود المتبادل - بين الآب والابن، من ناحية ، وبين البشر والابن من ناحية أخرى – يضع كيرلس خطا فاصلا وتحديدا واضحا بين اتحاد الابن بالآب واتحادنا نحن بالابن؛ فالأول اتحاد بالطبيعة نظرا لواحدية الجوهر والثاني اتحاد بالنعمة ، وشتان الفرق بين الأمرين . وفي نهاية المقالة يبلور قديسنا الخلاصة فيكتب : " إذن حينما نعترف أن يسوع هو من الله ، نسكن في الله، وعندما نرفضه نتغرب عنه، بينما الابن لاينال هذا الأمر كعطية بالتالي فهو لايوجد في الآب بالطريقة التي يوجد فينا بواسطتها، ولكنه يوجد في الآب بالتأكيد، لأنه بطريقة طبيعية وغير متغيرة مولود منه، بينما نحن مولودون منه بحسب النعمة والمشاركة. إذن مثلما هو ابن الله بحسب الطبيعة ، هكذا أيضا نحن بطريقة مشابهة به نصير بحسب النعمة أبناء وآلهة ".( الكنوز في الثالوث القدوس والمساوي- ترجمة د/ جورج عوض ابراهيم- الطبعة الأولى، مؤسسة القديس أنطونيوس، مركز دراسات الآباء ) .  هكذا يقدم كيرلس - وتحديدا في الفقرة الأخيرة - تفريقا واضحا بين مفهومين باتا يعرفان فيما بعد ( بعد ظهور المصطلح ) ب : 1-Trinitarian perichoresis و  2- deification perichoresis  . الأول هو علاقة  الاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث، تلك العلاقة التي يتحقق بها الوجود الإلهي، والثاني هو علاقة التواجد المتبادل بين الابن والبشر ، تلك العلاقة النعموية التي يتأله البشر بواسطتها .
3- في الفقرة الأولى من الكتاب الثالث من "de trinitate"  يتصدى القديس هيلاري أسقف بواتييه لذات المعضلة، العصية على الفهم البشري ، العلاقة المستحيلة، فيكتب : " إن كلمات الرب : " أنا في الآب والآب في" تشوش الكثير من العقول، وهذا أمر طبيعي لأن قدرات العقل البشري لا يمكنها إمداد تلك العقول بأي معنى يمكن أن يدرك بالعقل. من المستحيل أن يكون شيء ما داخل وخارج شيء آخر في نفس الوقت، إذ أن تلك الشخصيات يمكن أن تحتوي بعضها البعض تبادليا، كي يمكن للواحد أن يغلف بدوره- بما أنه قد تم تقنين فكرة أن الشخصيات التي نتعامل معها، رغم عدم استقلال كل منها في الوجود، إلا أنها تحتفظ بوجودها وحالتها الخاصتين. هذه مشكلة لايمكن لعقل إنسان أن يحلها أبدا، ولايمكن أبدا لبحث الإنسان أن يجد تشابها جزئيا لتلك الحالة التي للوجود الإلهي. لكن غير المفهوم للإنسان مفهوم عند الله ".
ولكن الجديد الذي يضيفه هيلاري هو أنه بالرغم من الصعوبة التعجيزية لمفهوم الاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث، بالنسبة للعقل البشري فإن   هناك مساحة لحركة العقل البشري ومن المطلوب بل ومن الواجب أن يتحرك ويجتهد فيها إزاء هذه الأمور الفائقة غير الواردة بالنسبة له، فيكتب في نهاية الفقرة : " يجب أن نفهم بأنفسنا ، ونصل لمعرفة معنى قوله :" أنا في الآب والآب في" . لكن هذا سوف يعتمد على نجاحنا في التمسك بحقيقة أن البرهان القائم على أساس الحقائق الإلهية يمكن أن يرسخ استنتاجاته، بالرغم من أنها تبدو مناقضة لقوانين الكون ".( عن الثالوث للقديس هيلاري أسقف بواتييه، أثناسيوس الغرب - ترجمة راهب من دير الأنبا أنطونيوس -الطبعة الثانية ،  2017م ). هذه رسالة تأتينا من ذلك الزمان لتدفعنا لأن نتخلى عن استسهالنا غير مكتفين بالاستعلان النعموي للثالوث القدوس الذي في تدبير خلاصنا، بل يجب أن تنطلق عقولنا لتقتحم تخوم مانتخيله المستحيل واللامعقول، في سعينا نحو أقصى إدراك ممكن للثيؤلوجيا.   
  هذا، وبالإضافة إلى أثناسيوس وكيرلس وهيلاري، فقد كانت فكرة لاحتواء المتبادل موجودة بشدة أيضا عند أبيفانيوس وارينيئوس وديونيسيوس السكندري ، قبل الاقتراب من المصطلح ( صيغة الفعل ) على يد غريغوريوس النيزينزي. ".( المرجع السابق، هامش ص:273 ). كل هذا الزخم كان بمثابة البيئة المشبعة بمفهوم الاحتواء المتبادل التي ضغطت لبلورة مصطلح ال " perichoresis ".
الحل في تحرير وضبط المصطلحات
في سياق تضارب تعددية المفاهيم - من ناحية – واختزال المفهوم – من ناحية أخرى- ينشأ اللغط وتتعقد الرؤى، ومصطلح " perichoresis  ) نموذج لهذا الآمر . هل هو حلول أم احتواء؟ متاهة اللغة تنم عن افتقاد للمفهوم العميق الذي ليست الألفاظ كل جوهره. كان المفهوم جليا عند الآباء العظماء : أثناسيوس وهيلاري وكيرلس، ولم يكن قد نحت المصصلح بعد. المفهوم دائما يسبق اللفظ والحرف، إلى أن يستدعى الحرف واللفظ ليتبلور المصطلح. لذلك قد بات من الضروري تحرير وضبط المصطلح ، ولعل المدخل لهذه المهمة هو طبيعة مفهوم المصطلح ذاته، فهو يرصد فكرة "العلاقة"، والعلاقة دائما متعددة الأطراف، وإذا ولجنا أكثر إلى المناخ الذي يطبق فيه المصطلح لوجدنا أننا أمام نمطين من العلاقة: علاقة طبيعية متماثلة وهي العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، وعلاقة غير متماثلة بين طبيعتين مختلفتين . الأصل في النوع الأخير هو العلاقة الخريستولوجية بين الكلمة وناسوته القائمة في اتحاد أقنومي يحدث فيه تبادل للصفات " idiomatum communicatio " ، ثم العلاقة الناشئة كامتداد في الكنيسة أي التأله، علاقة أعضاء جسد المسيح بالرأس  الرب يسوع. لابد ومن دون شك أن يستخدم مصطلحان مختلفان لتوصيف هذين النمطين من العلاقة ، وفي اعتقادي أن العلاقة الطبيعية التي في احتواء المحبة المتبادل بين شخوص الثالوث – ونظرا لطبيعتها الديناميكية- يناسبها ال " perichoresis "؛ فالمفهوم الاصطلاحي واللغوي للكلمة يشع حركة، وفي اعتقادي – وهذا رأيي – لم يعرف اللاهوت كلمة تكمن فيها القدرة على شرح الثالوث مثل هذه الكلمة . أما النمط الآخر من العلاقة، أي مابين الطبائع المختلفة فيناسبها المصطلح الأحدث جدا " co-inherence " الذي يفيد نوعا من الحضور والحلول والتواجد المتبادل  "  co-indwelling" هذا المفهوم الذي بلغ ذروته بالاتحاد الأقنومي بين لاهوت الرب وناسوته، وأيضا بالنعمة يحدث للبشر هذا الحلول المتبادل في المسيح، أي التأله. إذن لدينا في الثيئولوجيا كلمة " perichoresis "، ولدينا في الخريستولوجيا والإيكونوميا كلمة " co-inherence ". هذا هو اقتراحي لفض الاشتباك. والخلط قد يحدث بسبب العلاقة العضوية - إذا جاز التعبير - بين المفهومين ، فدخول البشر في مظلة شركة الثالوث هو صورة العلاقة الثالوثية ذاتها؛ فعندما يستحضر البشر كأبناء للآب بالعضوية في جسد الكلمة في الروح القدس - وقد حدث بينهم وبين الابن المتجسد ذلك الحلول المتبادل - فهم يختبرون الصورة النعموية الأبدية للاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث ، وكما يعطي كل شخص  - من شخوص الثالوث - ذاته كاملة إلى الشخصين الآخرين دون أن ينتقص منه شيء بسبب وحدة الجوهر ، يعطي القديسون كل ذواتهم للكلمة المتجسد فيتكمل بهم جسده ، فالرب محتاج إليهم ( مر 11: 3) لأنه لارب بلا مربوبين ، ولاجسد بدون أعضاء إلا إذا ظل رأسا إلى الأبد ، وهو لم يتجسد إلا ليكون جسدا كاملا. وما أروع أن يبادر العتيدون أن يصيروا أعضاء في جسد الرب باغتنام فرصة سانحة أمامهم لتكميل كيان ربهم، مالئين ماقد أعد لهم فيه، فيبادلهم الرب العطاء تأليها. وهكذا فإن تألهنا (الذي يتحقق بحلولنا المتبادل مع الكلمة المتجسد ) هو الشركة النعموية الأبدية، في الوجود الإلهي ( الذي يتحقق بالاحتواء المتبادل بين شخوص الثالوث ). والرب قد أعلنها جلية مخاطبا الآب :" أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد " ( يو17: 23 )، " ليكون الجميع واحدا ، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا "( يو17: 21 ).
مجدي داود