محددات المفهوم1- المضمون العملي لمصطلح " الاتحاد الأقنومي "الهرطقة هي الثمرة المرة التي تنبت في غياب إجابة على سؤال مطروح سواء بوعي أو بدون وعي. هكذا أعتقد ، وهكذا أدعي بأن الأمر الجوهري الذي كشفته " النسطورية " ، وبنفس القدر كشفته " الأوطاخية " هو غياب المضمون العميق لكلمة " شخص " ، الأمر الذي يعني غيبة الإجابة الواضحة للسؤال : ماهو المضمون العملي لمصطلح " الاتحاد الأقنومي "( الشخصي ) ؟ وبينما قد تسبب ذلك في "ازدواج" بين الطبيعتين – من منظور نسطور- فقد تسبب في " ذوبان " إحدى الطبيعتين في الأخرى ، من منظور أوطاخي. والمفهوم الغائب عند الاثنين عن " الشخص "- الأمرالذي يعكس غياب مضمون الاتحاد الأقنومي - هو أن الشخص كيان تتجلى فيه حالة من الاحتواء المتبادل) co-inherence ( بين الطبيعتين . ليست القضية تبادلا " ظاهريا " للصفات بل هي تبادل الأدوار في ما بين الطبيعتين للتصدي للتعبير عن الشخص ، وتستعلن كل طبيعة من الطبيعتين الشخص كاملا . هو احتواء متبادل وليس تحولا متبادلا ، فيبقى الإله إلها والإنسان إنسانا ، فيبقى لاهوت الكلمة المتجسد - الذي يحتوي ناسوته - ظاهرا كإله ، ويبقى ناسوت الكلمة المتجسد – الذي يحتوي لاهوته - ظاهرا كإنسان.الفعل " يحتوي " يعني أنه بينما تحفظ هوية الشخص كهوية إلهية فإنسانيته كامنة فيه ، وبينما تحفظ هوية الشخص كهوية إنسانية فألوهيته كامنة فيه ، على أن الهوية المستعلنة والهوية الكامنة طبيعتان لا يضمهما ازدواج أو ذوبان . إله كامل وإنسان كامل ، شخص واحد إذا غاب منه أحد شقيه غاب الشخص بالكامل ، فلاهوت الكلمة المتجسد ليس له وجود مستقل أو منعزل - سواء قبل أو بعد التجسد – عن ناسوته ، وهذا لا يتعارض مطلقا مع حقيقة أن لاهوت الكلمة " غير المتجسد" كائن في أبيه منذ الأزل .أما عبارة " لاهوت الكلمة المتجسد " فتشير إلى أن الشخص - الكائن في اتحاد شخصي بين اللاهوت والناسوت - قد ظهر وبدأ وجوده بالتجسد ، لأن قبل التجسد – بطبيعة الحال – ليس للعبارة أي مدلول أو معنى . هنا فقط يمكننا أن نبدأ رحلة إدراك معنى كلمة " شخص ". تبدو المسالة أكثر بساطة في ضوء النموذج العبقري الذي استعان به القديس كيرلس الإسكندري شارحا لمفهوم " الاتحاد الأقنومي "، في سياق دحضه لهرطقة نسطور ، فالأمر عنده أشبه بالشخص الإنساني . ولابأس أن نعمق شرح النموذج بطريقة تنسجم مع سياقنا العام : الإنسان طبيعتان مختلفتان قائمتان في " اتحاد شخصي " ، النفس والجسد . النفس نفس بطبيعتها المعنوية العاقلة المستعلنة بالمشاعر والأحاسيس ، والجسد جسد بطبيعته البيولوجية الظاهرة كمادة تتموقع في الزمان والمكان . ولكن يبقى أن الطبيعة الإنسانية تعني شخصا نفسانيا يفكر ويحس ، بنفس القدر الذي يعنيه وجوده المادي الظاهر . يعكس الجسد البشري نفسا عاقلة ، وتعكس النفس البشرية جسدا بيولوجيا . الجسد والنفس كائنان في حالة احتواء متبادل في مابينهما . لا وجود للجسد بدون نفس ، لأنها الطاقة المحيية والمحركة له . ولا وجود للنفس بدون الجسد، لأنه المادة الكاشفة لها. الجسد كاشف للنفس في العالم المنظور ، والنفس مجال للجسد في العالم غير المنظور . وإذا شق الكيان البشري إلى طبيعتيه ( المتحدتين أقنوميا ) تلاشى الجسد وتلاشت النفس . ببساطة، هذا هو الموت . قد كان هذا ، في مايخص التشبيه التمثيلي الذي استخدمه القديس كيرلس لتقريب مفهوم " الاتحاد الشخصي " المثمر " للشخص . والآن لنعود إلى الخريستولوجيا فنطرح السؤال الأكثر تعقيدا والأكثر شائكية : ماهو جوهر بشرية يسوع ، الشخص الكائن كثمرة للاتحاد الأقنومي بين الطبيعة البشرية ولاهوت الكلمة؟ هل يمكن اختزال بشرية يسوع – التي ظهر عليها طيلة حياته على الأرض ، منذ الميلاد وحتى القبر – في كيانه البيولوجي الظاهر في صيغة اللحم والدم ؟ وللإجابة على السؤال ننطلق من مسلمتين آبائيتين كتابيتين تبدوان متناقضتين ظاهريا : المسلمة الأولى هي أن الكلمة ، بتجسده ، قد ظهر في طبيعتنا البشرية التي نعهدها ،أي طبيعة اللحم والدم . والمسلمة الثانية هي أن بشرية يسوع منتصرة على الألم والموت بفضل كونها تمثل جسد الكلمة الخاص، أي ذلك الذي " بطبيعته " يشترك في حياة الكلمة .ولرأب الصدع الظاهر بين المسلمتين علينا أن نكتشف " الحلقة المفقودة " في الفكر الخريستولوجي منذ " فتنة خلقيدونية " وربما حتى الآن !والحلقة المفقودة يمكن صياغتها على أنها الإدراك المفقود لكون أن مفهوم مصطلح " الاتحاد الأقنومي " يعني " نشأة " واقع جديد بخصوص كل طبيعة من الطبيعتين الداخلتين في الاتحاد ، فقد اكتسبت كل طبيعة واقعا ووضعا لم يكن لها قبل الاتحاد . والأمر ليس مجرد " تبادل " ظاهري للصفات بل هو تبادل أبدي عميق للحد الأقصى من الخبرات "الطبيعية "، بين "الطبيعتين" المختلفتين. فلم تعد الطبيعة البشرية فاسدة ، قابلة للألم والموت بل صارت خالدة وحية إلى الأبد ، في مجد لا يوصف ، بفضل اشتراكها في مجد حياة الكلمة . ولم يعد اللاهوت معزولا عن البشر ، بل ستظل خبرة " الخروف المذبوح " والمنتصر بآن ، خبرة كيانية ،أبدية ، قد اكتسبها الكلمة باجتياز جسده الخاص لرحلة الألم والموت . وعندما أسلم الرب عتيقه البيولوجي ، الظاهر للموت كان ذلك خلعا له ،وفي نفس الوقت كان استعلانا للخفي المستتر القائم - بطبيعته- من الموت ، والصاعد إلى الآب حاملا تلك الخبرة المزدوجة : مجد حياة الطبيعة البشرية الجديدة ، أبدا ، ومجد الدم المحيي المسفوك أبدا ، حبا للبشر .2- استحقاق الاتحاد الأقنومي و استعلانات التدبيريسود اعتقاد مفاده أن انتصار الرب على الموت بالقيامة ، المتبوع بصعوده إلى الآب ، كان "حدثا طارئا "كتتويج نهائي ، مبني ومؤسس على حدث التجسد ،وهذا أمر لا أعتقد بصحته . ولتفنيد هذا ينبغي أن نخوض رحلة شاقة في أحراش الأسئلة غير المطروحة . وفي اعتقادي ، إن المشكلة دائما ليست في ندرة إجابة صحيحة ، بل في ندرة سؤال صحيح !ولنبدأ بالسؤال: في أية لحظة من حياة الرب على الأرض قد حدث التجسد ؟ والسؤال يبدو غريبا ، وربما غبيا ، ولكنه بالرغم من ذلك هو سؤال كاشف . الإجابة البديهية هي أن التجسد قد حدث لحظة حدوث الاتحاد الأقنومي بين لاهوت الكلمة ،وناسوته – الذي أخذه من العذراء - داخل بطن أمنا العذراء. السؤال بصيغة أخرى : هل تجسد الرب حدث كامل منذ ظهوره أم أنه حدث يتكمل مع الزمن على مدار سيرته ، أي حتى الصليب ؟ وبصيغة ثالثة : هل الاتحاد الأقنومي حدث كامل منذ أول لحظة للحبل أم أنه حدث تراكمي مع الزمن ؟ أليس الاختيار الثاني هو انحدار نحو النسطورية ؟ الإجابة الصحيحة هي أن حدث الاتحاد الأقنومي هو ذات حدث التجسد ، وهو ذلك الحدث الكامل المستعلن تلقائيا بملء استحقاقه، كحدث كامل .ليس لدينا في المسيحية أي استحقاق لنحتفي به غير استحقاق "مجد الحياة ". وليس لدينا في المسيحية آلية للحياة غير الشركة في حياة الكلمة . وهنا نأتي إلى سؤال آخر : ماذا يعني الاتحاد الأقنومي بين لاهوت الكلمة وبشريته غير اتحاد وشركة بشريته في حياة الكلمة ؟ هل كانت "حياة " جسد يسوع مشروعا مؤجلا لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان ؟ مامعنى الاتحاد الأقنومي إذن ؟ هل كان الكلمة - طيلة هذه الفترة المؤجلة – متحدا أقنوميا مع الهيكل البيولوجي ، فقط ، أي اللحم والدم ؟ هل كان الموت – الذي ينتظر اللحم والدم - هو سيد الموقف الذي لن تتكرس حياة بشرية يسوع – جسد الكلمة الخاص – إلا بحضوره ؟ ثم ، هل ظهر شخص الرب يسوع ،في لحظة موته على الصليب، شخصا مفرغا من إنسانيته، ليبقى اللاهوت وحده ؟ هل تم شق الاتحاد الأقنومي على الصليب ؟ أعرف تماما الإجابة التي سوف تعطى على السؤال الأخير ، وهي أن اللاهوت لم يفارق الجسد في القبر ، ولم يفارق النفس في الجحيم ،حتى عادا ليلتقيا من جديد فتحدث القيامة . ولكن لدينا مشكلتين ، الأولى أن لدينا نصا – لمن يعشق التمسك بالنصوص – وهو صرخة الرب ذاته قبل موته :" إلهي ،إلهي ، لماذا تركتني ؟". هو يعلنها صريحة أن العتيق الظاهر متروك ومتخلى عنه ليواجه مصيره الذي هو مصيرنا أي العدم . فعن أي "حفظ" نتحدث ؟ والثانية هي مشكلة منطقية لاهوتية ، فقد أصبح موت الرب موتا آخرا يختلف عن موتنا نحن . فنحن عندما نموت تشق طبيعتنا العتيقة فتفارق النفس الجسد وينهار كل من الاثنين ولا يحفظ منهما أي أحد في أي مكان ، إلا ماقد نبت فيهما من جديد ،أثناء حياة كل منهما على الأرض ،وقبل شقهما . والمسلمة الأساسية هنا هي أن اختلاف موت الرب عن موتنا يضرب قضية الخلاص والفداء في مقتل.والآن نصل إلى السؤال الختامي : كيف نستطيع أن نمحو تناقضا باديا في كون الطبيعة البشرية الجديدة المنتصرة على الموت هي واقع إنسانية يسوع منذ الاتحاد الأقنومي الذي أظهر تجسد الكلمة ، بالرغم من أن الرب قد اجتاز رحلة نعموية متنامية بدءا من الولادة فالمعمودية فالصليب فالقيامة فالصعود ؟وللإجابة لابد لنا من أن نميز بين زاويتين للرؤية ، الزاوية الأولى من منظور الرب يسوع التاريخي والثانية من منظور الكنيسة . من الزاوية الأولى تبدو كل هذه الأحداث كشفا واستعلانا للنعمة التي لم يحصل عليها جسد يسوع، فقط ، بل قد صار مصدرا لها بفضل كونه جسد الكلمة الخاص . ففي معمودية الرب في الأردن تتكشف حقيقة مسحة كيانه كطبيعة جديدة روحانية . وإذا عدنا لكلمات المبشر فسنجد أن حقيقة مسحته بالروح القدس ماثلة أمام أعيننا في لحظة انطلاق الاتحاد الأقنومي :" الروح القدس يحل عليك ،وقوة العلي تظللك ، فلذلك أيضا القدوس المولود يدعى ابن الله "( لو1: 35). بل أن ذلك القدوس حينما حضر - وهو مايزال جنينا- لزيارة أليصابات ، الحبلى بالمعمدان ، كان هو الذي سبق فعمد المعمدان ، الذي ارتج بابتهاج في بطن أمه ( لو1: 44 ) !فعن أي حلول للروح القدس نتحدث ، بخصوص يسوع الغاطس في الأردن أمام يوحنا ؟ هل فقط في هذه اللحظة بدأت طبيعته تمسح بالروح ،أم أنه في هذه اللحظة يستعلن ماهو كائن فيه منذ ظهوره في بطن أمه كثمرة للاتحاد الأقنومي؟ هل ظل جسد يسوع – الذي يضمه اتحاد أقنومي مع الكلمة ( الكائن في الآب وفي الروح القدس ) – منذ ظهوره وحتى نزوله الأردن ، محتاجا لأن يمسح بالروح القدس ؟ هذا هو السؤال ! وفي قيامة الرب من الموت وانتصاره عليه في فجر الأحد ، هل كان ذلك يعني أن أمرا معجزيا ما قد تم في ظلمة القبر- وكان من تبعاته أن تحول اللحم الميت المهترئ إلى طبيعة جديدة عديمة الموت والفساد – أم أنه يعني أن الرب بعد أن اجتاز موت البشر فإن ذلك الموت لم يمسك منه غير ماقد أمسكت زوجة فوطيفار من يوسف ، أي أخذ منه رداءه الظاهر ، ليستعلن لتاريخ البشر ماقد كان خفيا عليهم منذ أول لحظة دخل فيها تاريخ البشر ؟ هذا هو السؤال ! وفي صعود الرب إلى السماء، هل السماء مكان يقبع في الأعلى ؟ أعلى من ماذا ؟ أم أن الرب بصعوده يكشف ماقد صارت إليه إنسانيته بفضل الاتحاد الأقنومي الذي أظهره متجسدا ، إذ أن الإنسانية فيه قد صعدت إلى أعلى علو وإلى سماء السماء ، إلى شركة الثالوث ، فالجسد قد صارجسدا خاصا للابن ،جالسا عن يمين الآب ،في شركة الروح القدس ؟ هذا هو السؤال !من الزاوية الثانية ، زاوية نظر الكنيسة ، يبدو الأمر كما لوكنا " ننظر في مرآة " فشخص الرب يسوع الكلمة المتجسد لم يظهر في تاريخ البشر ليصنع عملا خاصا به وحده بل على العكس ليصنع عملا يخص البشر ، فبالرغم من أن جوهر إنسانية يسوع هو الطبيعة الجديدة المنتصرة على الألم والموت بفضل الاتحاد الأقنومي - إذ هي جسد الكلمة الخاص - إلا أنه قد صنع تدبيرا بأن يجعل من منطقة الاشتراك والاتحاد بين شخصه وكل جوهرطبيعتنا ، أي عتيقه الظاهر ( الذي لم يكن جوهر إنسانيته )، معبرا لنا لنجتازه فنشترك في طبيعته الجديدة " لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ، نصير أيضا بقيامته "(رو6: 5) : فإلى مياه الأردن قد حمل شخص الرب يسوع المسيح حجابه العتيق الظاهر - الذي هو كل جوهرطبيعتنا ، ولم يكن كذلك بالنسبة له – ليشق لنا فيه معبرا إليه حينما نجتاز ذات المياه ، بذات الطبيعة ، في الروح القدس ، فندفن ونموت معه ممسوحين مصطبغين بصبغته لنظهر منضمين إلى طبيعته الجديدة ( الكائنة فيه منذ الاتحاد) التي هي رأس المسحة وحجر زاوية هيكل الله، وحينئذ نتجلى كأعضاء في جسد ابن الله . هذا هو مضمون " التبني "، فالآب يرى الذين صاروا أعضاءا في جسد ابنه ، ابناءا له . الذي نزل إلى الأردن ومسح بالروح-كمن يحتاج للمسحة والولادة من فوق - ليس شخص الرب يسوع المسيح، بل نحن الذين نزلنا فيه حتى نصعد فيه أيضا . وإلى مشهد الصلبوت الرهيب قد حمل شخص الرب يسوع المسيح حجابه العتيق - الذي هو كل جوهر طبيعتنا ، ولم يكن كذلك بالنسبة له - فحمل " عارنا " حتى إذا ما أظهر موت الصليب موتا محييا بالقيامة ، يكون قد شق لنا في ذات طبيعة العار هذه ، طريقا للخلاص بالموت المحيي ، من قبل أعمال الجسد بفعل مماتية الروح القدس ، فنعبر إلى شركة طبيعته الجديدة . الذي هلك على الخشبة ليس شخص الرب يسوع المسيح ، كما نهلك نحن ويتلاشى أقنومنا ، بل نحن الذين هلكنا فيه حتى نقوم فيه أيضا .خلاصةلم تضف مياه الأردن جديدا إلى شخص الرب يسوع التاريخي ، بل أضافت لنا ما استعلنه من ولادة جديدة ، في ما يمثلنا لديه، أي عتيقه الظاهر . ولم يضف الصليب المحيي جديدا إلى شخص الرب يسوع التاريخي ، بل أضاف لنا ما استعلنه من موت محيي ، في ما يمثلنا لديه ، أي عتيقه الظاهر. ويبقى أن نقول بأن إنسانية شخص الرب يسوع المسيح هي حجر زاوية الوجود الإنساني الجديد ، وهي إنسانية شخص قد تعلم في فترة وجوده على الأرض أن يقبل في ذاته خبرة أن يكون معبرا أبديا للبشر نحو الحياة داخل شركة الثالوث القدوس ، بنعمة اشتراكهم فيه ،أي التبني . وفي ذات الخبرة قد اكتسب الرب أن يكون ذبيحا أبديا يصرخ دمه المسفوك بنشوة الانتصار ، لحساب البشر ، حبا للبشر .3- التأله بين الاتحاد الأقنومي والاتحاد بالمسيحتجسد الكلمة وتأله الإنسان وجهان لمضمون حدث الاتحاد الأقنومي ؛ فالكلمة بصيروته إنسانا صار فيه الإنسان إلها. وبينما ظهر الكلمة في الإنسان يسوع المسيح - الذي "فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا "( كو2 :9)- فقد ظهر الإنسان في الكلمة إلى الأبد . إله كامل وإنسان كامل في وحدة أقنومية ( شخصية ) كاملة. ولكن ، كيف نفهم التأله في ضوء الاتحاد الأقنومي ؟ ثم ، أليس التأله ( Theosis ) هو نعمة تجديد طبيعتنا البشرية ، التي تحدث لنا باشتراكنا في حياة " الله" - الذي له وحده الحياة ، بطبيعته - حينما نصير أعضاءا في جسد ابنه ؟ماهي نقطة الالتقاء بين الحدثين ؟الفرق الجوهري هو أن تأله الإنسان ، المستعلن بالاتحاد الأقنومي - الذي أثمر شخص الرب يسوع المسيح - هو حدث نوعي " كيفي "( وليس حدثا " كميا " ، تراكميا ) فيه صار الكلمة جسدا مثلما صار الجسد ( الإنسان ) إلها . قد حل الكل في الكل . لاهوت الكلمة المتجسد يتضمن ناسوته مثلما يتضمن ناسوت الكلمة المتجسد لاهوته. شخص الرب يسوع مستعلن بواسطة كل من طبيعتيه الداخلتين في الاتحاد على نفس المستوى ، فهو شخص إنساني وهو شخص إلهي بآن واحد . هو شخص لم يلتهم اللاهوت فيه ناسوته ، طاغيا عليه، ولم يحد الناسوت فيه لاهوته مقزما له . وهنا يجب أن ندرك أن تأله الناسوت قد تجاوز بمسافة لانهائية مفهوم "نعمة التأله". . وأقول " تجاوز " لكي لا أغفل أن الإنسانية فيه قد نالت نعمة التأله " كحياة وعدم موت " ، ولكن لم يقتصر الأمر على مجرد حصوله على النعمة ، إذ أنه - بذاته القائمة في وحدة أقنومية مع ألوهة الكلمة -لم يعد مجرد منتفع بالنعمة بل رأسا ومصدرا لها ، إذ هو شخص الإنسان الإله ، بقدر ماهو الإله الإنسان . وبالتأله لم يصر الإنسان إلها بمعنى تلاشي الطبيعة البشرية لحساب الألوهة ، فإن حدوث هذا يعني ضياع مفهوم الاتحاد الأقنومي وتفريغه من مضمونه ، لأن الاتحاد ( أي اتحاد )- بالتعريف - لايكون اتحادا إلا إذا تم بين طبيعتين وهويتين مختلفتين . ولما كان الاتحاد المقصود هو الاتحاد الأقنومي بين الله الكلمة والإنسان ، وليس مجرد اتحاد بأي معنى آخر ، فالأمر يصبح ليس مجرد اتحاد " ميكانيكي " ( إذا جاز التعبير ) مثل مفهوم المصاحبة الذي نادى به نسطور ، وفي نفي الوقت ليس مفهوم الذوبان الذي نادى به أوطاخي . فشخص الكلمة المتجسد هو إنسان كامل بقدر ماهو إله كامل ، وهذا يعني إتحادا يثمر شخصا جديدا لم يكن موجودا قبل الاتحاد ، تستعلن فيه هوية الألوهة كاملة مثلما تستعلن فيه هوية الإنسانية كاملة ، دون ذوبان ، أو أيلولة ، أو تغير بيني، أو تقسيم ، أو عزلة . وفيما تستعلن أي من الطبيعتين الشخص كاملا ، فإن الطبيعة الأخرى - المتضمنة في الشخص - تستعلنه بنفس القدر ، أي بنفس الكمال . وهذا هو مفهوم الحلول ( الاحتواء ) المتبادل بين الطبيعتين الذي يكرسه الاتحاد الأقنومي . نعود إلى التأله فنقول : لم يكن التأله حدثا طارئا على شخص الرب يسوع، الكلمة المتجسد ، فمنذ أن حدث التجسد ، حدث التأله . طرأ الشخص ،ذاته ، على تاريخ البشر ، ولم يطرأ تأله إنسانيته عليه ، كشخص. أما كيف أن تألهه يعني أنه مصدر تألهنا ،منذ أن صار الاتحاد ، وفي ذات الوقت قد نالت إنسانيته التأله كنعمة ، فالأمر بسيط ، فحينما تجسد الكلمة فهو قد وحد ذاته أقنوميا مع الإنسان المخلوق بواسطته ، وبالتالي ماهو التناقض في أن الكلمة قد أكمل نعمة الخلق التي أعطاها لإنسانيته ، بنعمة التأله ؟ وماهو وجه التناقض في كون أن إنسانيته المخلوقة المتألهة بفضل الاتحاد هي مصدر لتألهنا مادام الاتحاد ليس مجرد اتحاد - كاتحادنا نحن به ، بالنعمة - بل هو اتحاد أقنومي قد صار فيه الله إنسانا مثلما قد صار الإنسان إلها ؟ وأما " تأله البشر" في المسيح فله مضمون آخر. يتأله البشر حينما يتحدون "كميا " بلاهوت الكلمة ، أي يتحدون به بالقدر الذي يخرجهم من فساد طبيعتهم المخلوقة وليس يخرجهم من كون طبيعتهم مخلوقة . يحدث هذا عندما يشتركون إفخارستيا - بالنعمة- في جسد الكلمة ، فيسقبلون - أبديا- حياة الكلمة الفائضة نحوهم من رأس كيانهم يسوع ، الشخص الإنساني والإلهي بآن واحد. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين تأله الإنسان يسوع ، المستعلن في الاتحاد الأقنومي وتأله البشر ، المستعلن في الاتحاد الإفخارستي ، فبينما يتأله البشر باشتراكهم في جسد الابن ، فإن الإنسان يسوع قد تأله منذ أن صار جسدا خاصا بالكلمة ، وهو لم يكن قبل الاتحاد جسدا خاصا بآخر غير الكلمة . والآن لنا أن نسأل : هل كان على الإنسان يسوع أن ينتظر أكثر من ثلاثة عقود من الزمان حتى يحين زمان تألهه ، بالقيامة في فجر الأحد ؟ هذا هو السؤال !4- مفهوم الحضور الإلهي بين الاتحاد الأقنومي والنعمةكان مصطلح " الحضور الإلهي " بمثابة الخيط الذهبي الذي يجمع كل لآلئ مفردات كتاب القديس أثناسيوس الرسولي " تجسد الكلمة ". ولآلئ أثناسيوس التي أقصدها هي التوصيفات المختلفة لمفهوم النعمة التي نالتها الطبيعة البشرية في المسيح ، الكلمة المتجسد . النعمة عنده ليست كما يتوهم – في سذاجة – تيار من الحس الشعبي ، أنها قرار انقطاعي يتم وفقا لإرادة علوية هي إرادة الله ليظهر أثره في الخليقة القابعة على الطرف الآخر من الهوة الفاصلة بين مصدر النعمة والمنتفع بها . بل النعمة عند أثناسيوس - كما عند جيل الآباء الملهمين بروح الإنجيل - هي ما يكشف حضورا لله ، هي استعلان للحضرة الإلهية في مجال كاشف هو الخليقة . تستدعى الخليقة من العدم ككشف للحضورالإلهي ، وتجدد الخليقة من فسادها الطبيعي ( في حالة الإنسان) بفضل الحضور الإلهي .هذا هو المضمون الصريح للإنجيل ؛ فعندما يقول القديس يوحنا اللاهوتي في مطلع إنجيله :" كل شيء به كان ، وبغيره لم يكن شيء مما كان "( يو1: 3 ) ، فالمقصود " كل شيء كان بحضوره ، وبغير حضوره لم يكن شيء مما كان ". وبحسب أثناسيوس - أيضا - " من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس "( سرابيون1: 14 ) ، وأيضا " الآب يخلق كل شيء بالابن في الروح القدس "( سرابيون 3: 4 ). النعمة إذن كشف لحضور الثالوث القدوس وشركة فيه . وبحسب القديس بطرس الرسول هي " شركة الطبيعة الإلهية "( 2بط 1: 4) .والقضية منطقية جدا ، من منظور المنطق اللاهوتي ، وإلا فكيف ندرك ما تعنيه قمة استعلان النعمة ، المعبر عنها بمفهوم " التبني" ؟ أليس التبني هو دخول إلى شركة الثالوث القدوس حينما يصير البشر أبناءا "للآب" بالشركة في جسد "الابن" في "الروح القدس"؟ والنقطة الهامة في هذا السياق هي أن الحضور الإلهي الذي تكشفه صيغة معينة للنعمة هو حدث وفعل يتم بمبادرة من طرف واحد هو الطرف الإلهي . فالله يعطي شركة في ذاته بالقدر الذي يتكشف كخليقة ، ثم يجزل عطاء ذاته بالقدر الذي يتكشف في تجديد الخليقة وعتقها من فسادها الطبيعي( في حالة الإنسان ).في النعمة لا يعطي الله ذاته للخليقة ، حتى ماتستوعب في الخليقة ، ولكنه يعطيها بالقدر الذي تستوعبه الخليقة ، كخليقة ، وبالقدر الذي يكفي لتجديد خلقتها ، كتجديد للخلقة . "يحضر" الله في الخليقة "فتستحضر " الخليقة - من العدم- لتشترك في الله، ويكثف الله "كم "حضوره في الإنسان ( تاج الخليقة ) فيتجدد الإنسان، فالحضور الإلهي الذي تستعلنه النعمة هو حضور "كمي "؛ فحينما يتجدد البشر في المسيح فهم يأخذون من ملئه " نعمة فوق نعمة "( يو1 :16) ، ويظل الإنسان يسوع المسيح هو الشخص الوحيد " الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا "( كو2 :9) .وهذا يقودنا إلى الحديث عن الحضور الإلهي في سر التجسد ، أي الحضور المستعلن بالاتحاد الأقنومي بين لاهوت الكلمة المتجسد وناسوته . والأمر هنا يختلف تماما . فحدث الاتحاد الأقنومي ، بمجرد حدوثه قد أظهر " مبادرة حضورية مزدوجة "( إذا جاز التعبير ) . لاهوت الكلمة المتجسد ليس هو المبادر الوحيد بالحضور، ولكنه الحضور المتبادل بين لاهوت الكلمة المتجسد وناسوته . لاهوت الكلمة المتجسد ، بحضوره يظهر ناسوته حاضرا . وناسوت الكلمة المتجسد ، بحضوره ، يظهر لاهوته حاضرا . لاهوت الكلمة المتجسد يتجلى في ناسوته ، وناسوت الكلمة المتجسد يتجلى في لاهوته . اللاهوت الكامل يستعلنه الشخص ، والناسوت الكامل يستعلنه نفس الشخص . هنا ،نحن أمام حضور " نوعي " فيه تحضر كل ألوهة الله في كل إنسانية الإنسان ، وتحضر فيه كل إنسانية الإنسان في كل ألوهة الله .إنسانية الإنسان يسوع المسيح تستوعب ألوهته بالكامل ، لأنه – بفضل الاتحاد الأقنومي – لم يعد مثلنا ،من منظور الاحتياج للنعمة ، بل هو قد صار جسد الكلمة الخاص منذ أول لحظة لظهوره كجسد . والقول باستيعاب إنسانيته للاهوته ليس من باب المحدودية التي يوحي بها الفعل ، ولكن من باب أن ألوهة الله لا تستوعب إلا بألوهة الله ، ولما كان الإنسان يسوع قد تأله ، مظهرا كل ملء اللاهوت فيه ، بفضل الاتحاد الأقنومي ، فاستخدام فعل " الاستيعاب " ليس خاطئا .خلاصةإذا كانت النعمة هي استعلان حضور الله في الخليقةكمبادرة من طرف الله ، فالاتحاد الأقنومي هو مايثمر استعلانا مزدوجا للحضور المتبادل بين الله والإنسان في شخص الرب يسوع الكلمة المتجسد . وبينما أثمر الاتحاد الأقنومي رأسا لخلقة البشر الجديدة ، فقد أظهرت النعمة استحقاقا لهذا الرأس في البشر، باجتذابهم نحوه كأعضاء تنتمي إليه ، حينما يصيرون كنيسة. والآن لنا أن نسأل : هل كان على الإنسان يسوع التاريخي أن ينتظر أكثر من ثلاثة عقود من الزمان حتى يحين زمن حضور الكلمة فيه ، فتستعلن نعمة القيامة ، في فجر الأحد ؟ أليس هذا نكوصا وردة وتفريغا للاتحاد الأقنومي من مضمونه ؟ هل هناك من معنى للاتحاد الأقنومي غير ذلك الحدث الحضوري المتبادل- الفاعل غير الخاضع للزمن ، بكل استحقاقات حياة الله ذاته - بين لاهوت الكلمة المتجسد وناسوته ؟5- الاتحاد الأقنومي ، والفرق بين تكميل يسوع وتكميلناالرب يسوع المسيح شخص كامل منذ أول لحظة للتجسد . إنسانيته الجديدة واقعة ومحققة منذ أول لحظة للتجسد ، وهي لاتحتاج تكميلا ، بل ما يحتاج "هذا التكميل " هو نحن ، حينما حمل في نفسه معبرا حتى ما نعبر إليه ، هو عتيقه الظاهر ، بينما إنسانيته الجديدة المنتصرة على الألم والموت هي كائنة فيه منذ بدء التجسد ، بفضل الاتحاد . هي كائنة فيه في تلازم وتزامن مع الطبيعة العتيقة منذ بدء التجسد ،إلى أن اجتاز الرب الموت خالعا عتيقه الظاهر ومستعلنا نصرة طبيعته الجديدة" المستترة " ،بالقيامة في اليوم الثالث لموته . وفيما اجتاز كل هذا ،خارجا ليعلن جدة الحياة والانتصار على الموت والصعود إلى الآب ، فهو يصنع محددات ومعالم طريق تكميلنا نحن ، بتكميله كرئيس لكهنة العهد الجديد وليس تكميله هو،كإنسان.الفرق بين يسوع وإخوته عند الرسول بولسيقول فيلسوف المسيحية :" و لكن الذي وضع قليلا عن الملائكة ، يسوع، نراه مكللا بالمجد و الكرامة، من أجل ألم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد. لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل و به الكل، و هو آت بابناء كثيرين إلى المجد، أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلآم. لأن المقدس و المقدسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة، قائلا :" أخبر باسمك اخوتي، و في وسط الكنيسة أسبحك ".وأيضا :" أنا أكون متوكلا عليه". وأيضا :" ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله ". فإذ قد تشارك ( kekoinwnhken ) الأولاد في اللحم و الدم اشترك ( metescen ) هو أيضا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس "( عبرانيين 2: 9- 14 ).تعليق مهمالملحوظة الأساسية في نص الرسول بولس هي اختلاف نمط "الشركة " في اللحم والدم ، بين " يسوع "، الإنسان "الذي وضع قليلا عن الملائكة " ، وإخوته ، " الأولاد" الذين " تشاركوا في اللحم والدم " .لم يستخدم الرسول فعلا واحدا للتعبير عن مفهوم شركة اللحم والدم.الفعل المستخدم في حالة "الأولاد" هو الفعل " koinoneo "، ومنه الاسم " الشركة=koinonia " ،ويستخدمه بمعنى شركة " الشائع والمشترك ، أو الملكية المشتركة " أو مايجمع أطراف علاقة الشركة تحت لواء واحد أو طبيعة واحدة ، كما في " الشركة في آلام المسيح "( 1بط4:13 )، "شركة دم المسيح ، شركة جسد المسيح " ( 1كو10 : 16 )، شركة الروح القدس ( 2كو13 : 14 ).أما الفعل المستخدم في حالة شركة يسوع في اللحم والدم فهو الفعل " metecho "، وللفعل مدلول للشركة يختلف عن الفعل الأول ، فالشركة هنا تأتي بمعنى علاقة معينة بين أطراف واضحة ، يساهم كل منهم بقدر ما في الشركة ، وليس بمعنى الانتماء للمشترك العام كما في الفعل الأول ، فتأتي الكلمة في العهد الجديد ، عل سبيل المثال في علاقة شركة مهمة وهي العلاقة بين الإنسان والطعام ، سواء بالمفهوم العام كما في ( عب5: 13 ) ، أو بالمفهوم الخاص ، أي الأكل بالمفهوم ذي الدلالة الإفخارستية في طقس التناول ، كما في :( 1كو10: 17 )، ( 1كو10: 21 )،( 1كو10 : 30 ).وهنا نستطيع أن نلمح الفرق الدقيق بين مفهومي الشركة ، فبينما يعطي الفعل الأول مفهوما للشركة مفاده أن " الأولاد " بجملتهم ينتمون إلى طبيعة واحدة وهوية واحدة هي " اللحم والدم " ، وليس لأي منهم مايشذ عن هذه الطبيعة أو يزيد عنها بشيئ آخر فإن الفعل الثاني لا يعني بأي حال من الأحوال وجود أي مشترك يضم أطراف العلاقة مستوعبا إياهم ، فيبقى الإنسان إنسانا ولا يتحول إلى طعام ، من خلال شركة تناوله للطعام ، ويبقى الطعام طعاما ولا يتحول إلى إنسان ، من خلال شركة تناول الإنسان له . والمدهش حقا ، الذي يؤكد القضية أن الرسول بولس يفرق بين عمق مفهوم شركة الأكل الإفخارستي -كشركة في كيان المسيح الواحد ، فيستخدم الفعل الأول - وبين شركة الأكل كطقس ظاهري ، من المفترض أن يقودنا إلى عمق الشركة ، فيستخدم الفعل الثاني :" أقول للحكماء: احكموا أنتم في ما أقول. كأس البركة التي نباركها، أليست هي شركة (koinonia ) دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة ( koinonia ) جسد المسيح ؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد ، لأننا جميعنا ( من المفترض) نشترك ( metechomen ) في الخبز الواحد...لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين. لا تقدرون أن تشتركوا ( metechein )في مائدة الرب وفي مائدة شياطين ... فإن كنت أنا أتناول ( metecho ) بشكر، فلماذا يفترى علي لأجل ما أشكر عليه ؟ فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئا، فافعلوا كل شيء لمجد الله ".( 1كو10 : 15- 31 ). الفرق الدقيق بين الفعلين يجعل لشركة الأولاد في اللحم والدم معنى " الانتماء" لطبيعة اللحم والدم ، أي معنى الطبيعة المشتركة بينهم . أما شركة يسوع في اللحم والدم فهي لاتستوعب كل إنسانيته ( كما للأولاد ،إخوته ) بل هي مجرد منطقة تقاطع بين إنسانيته، التي هي أعظم بكثير من ظاهر اللحم والدم ،وبين إنسانيتهم التي ليست أكثر من مجرد ذلك اللحم والدم . وعليه ، فبينما شركة " الكينونيا " هي شركة الانضمام للكل فإن المفهوم الآخر للشركة ،بحسب الفعل metecho " " هو المساهمة في علاقة وليس الاندراج تحت لافتة لشركة ما . لذلك فعندما يقول الرسول بأن يسوع قد اشترك ( بالمفهوم الأخير للشركة ) في اللحم والدم ، فهذا يعني أن إنسانية يسوع الكاملة كشخص لم تكن مختزلة في اللحم والدم كما هو الحال بالنسبة لإنسانية " الأولاد " ، بل هو قد اشترك فيهما بالقدر الذي يخصهم فيه ، أي عتيقه الظاهر ( اللحم والدم )، حتى إذا ما اجتاز الألم والموت في عتيقه هذا ،يكون قد رسم لهم طريقا في نفسه لكي ما يشتركوا في مايخصه هو ، أي طبيعته الإنسانية الجديدة ، عديمة الألم والموت ، الكائنة فيه منذ أول لحظة للتجسد ، منذ أن صارت هناك وحدة أقنومية ، يستعلنها الإنسان يسوع . ثم ماهذه المفارقة المدهشة في قول الرسول: " لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت ، أي إبليس "؟ متى وكيف حدث هذا ؟ حدث هذا عندما اقترب الموت من يسوع ، فلم يستطع أن يفتك إلا بعتيقه الظاهر ، فإذ به يتضح أنه مجرد أداة تنتزع غطاءنا الفاسد بالطبيعة ، عن جوهرإنسانيته المنتصر على الألم والموت ، فتستعلن نصرة القيامة . على الصليب دفع الموت إلى الانتحار مهزوما ، وسحق سلطانه إلى الأبد ملعونا . إذن ، نستطيع أن نقول في وضوح شديد أن المدلول اللغوي المباشر لنص الرسول بولس يقرر أن نصيب شركة " اللحم والدم " في كيان الإنسان يسوع ،" الذي وضع قليلا عن الملائكة " ، هو بمثابة جزء من كل ، بينما نصيب الأولاد " إخوته " في ذات الشركة هو "كل من كل " أي أن طبيعتهم بكاملها هي " لحم ودم " . وهذا يتطابق تماما مع المنطق اللاهوتي الإنجيلي بأن "الكلمة المتجسد" قد حمل عارنا ( أي عتيقنا )، ولم يحمله اللاهوت العاري ( naked ). و"الحامل" يتمايز – بطبيعة الحال – عن "المحمول" ؛ فلو كان " عارنا "يمثل كيان إنسانية يسوع بجملتها ، لكان معنى ذلك أنه قد هزم أولا من الموت لمدة ثلاثة أيام ثم لحقت به نصرة القيامة ، في القبر ، بطريقة تعسفية إنقطاعية ، اللهم إلا إذا كان موته ليس كموتنا نحن ، أي العدم ، وفي هذه الحالة يكون مفهوم الفداء والخلاص قد ضرب في مقتل .ما معنى أن " لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ؟ماهو المقصود تحديدا بكلمة " ناسوته " ؟ هل يمكن اختزال ناسوت يسوع في ذلك الكيان البيولوجي ، الظاهر في تاريخنا ، والذي تقبل الألم والموت ؟ إذا كانت الإجابة بنعم ، فكيف ندحض تناقضا واضحا مع صرخة يسوع على الصليب :" إلهي، إلهي ، لماذا تركتني " enkatelipes " ( مت 27 : 46 )؟فالفعل المستخدم "enkataleipo "يعني مفهوم التخلي والإهمال والهجر وانعدام الشركة ، وقد استخدم في العهد الجديد بهذا المعنى ، كما في :- ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر...( 2تي4: 10 ).- لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني ... ولكن الرب وقف معي وقواني، لكي تتم بي الكرازة ،... ( 2تي4: 16و 17 ).- غير تاركين اجتماعنا كما لقوم عادة، بل واعظين ...( عب10: 25 ).- لأنه قال لا أهملك ولا أتركك ( عب13 :5 ).رؤيتي هي أن عتيق يسوع الظاهر هذا ، المعلق على الصليب ، والمهان ، والمتألم ، والمنحدر إلى الموت ، هو إنساننا العتيق المتروك بالطبيعة والمتخلى عنه والمقصي من شركة الألوهة . إن صرخة يسوع وهو ينازع الموت كانت ذروة افتضاح اللعنة التي حملها في كيانه ، لعنة الإقصاء في جحيم الموت . ويبلغ المشهد ذروته حينما يغلق القبر على الهيكل البيولوجي المهترئ ، فيبيده جحيم الموت . هكذا اجتاز مصير طبيعتنا العتيقة التي سوف تصير إليه ، أي العدم ، بل هو اجتاز مصير الخليقة كلها ، الذي لم تجتزه بعد . بموته قد أكمل الموت ، مثلما سبق أن أكمل وأتم ناموس الحياة في جوهر إنسانيته الحي بفضل الاتحاد بين لاهوته وناسوته ( الكامل وليس مجرد الظاهر العتيق ). ربما يقول قائل أن اللاهوت لم يترك " الجسد " في القبر ، ولا "النفس "في الجحيم – على افتراض أن الموت هو انفصال النفس عن الجسد ، ولكن الموت ليس هكذا بل هو انفصال النفس عن الجسد مع انهيار وتلاشي الاثنين - ولكن أية شركة هذه التي بين اللاهوت والجسد الميت ، الذي مايزال ميتا ، بالرغم من شركتة مع اللاهوت ؟ هل هذا موت ينتمي لموتنا نحن ؟ هل كان موته خياليا ؟! إن كان قد مات بالفعل مثلما نموت نحن ،وفقا لطبيعتنا البالية ، فلابد أن يكون قد انحدر بعتيقه إلى العدم ، ولما لم يستطع العدم أن يفتك إلا بهذا العتيق الظاهر ، فقد خرج من الجحيم منتصرا ،كجوهر إنساني غير قابل للألم والموت بفضل الوحدة الأقنومية مع لاهوت الكلمة ، وليس بفضل وحدة اللاهوت مع جسد عتيق ميت قد انحدر نحو مصيره البائس المحتوم ، " فإن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد " ( 1كو15: 50 )عبارة" لاهوته لم يفارق ناسوته " لا تتناقض مع "صرخة الترك "،على الصليب لأن الاتحاد الأقنومي قد أثمر شخصا إنسانيا منتصرا على الموت ، وحينما اجتاز الموت فهو قد ذاقه في كيانه الظاهر، المتروك والمهجور من شركة الألوهة . فعتيق يسوع الظاهر هو "متروك" بالطبيعة ، ولارجاء له ، هو لعنتنا التي قبلها في كيانه حتى يستعيدنا أيضا إلى كيانه. أما جوهر الشخص الإنساني الكامل، القدوس ، فهو الطبيعة الجديدة عديمة الموت ، المحصنة والمعصومة من " الترك " ؛ ففيها تستعلن الشركة الأبدية بين البشرية واللاهوت من خلال الوحدة الأقنومية .خلاصةبين عبارتين للمرنم نستطيع أن نرصد أن صاحب صرخة " إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني ؟ " هو الكيان العتيق ليسوع ، المعلق على الخشبة . بينما الشخص الإنساني الكامل (عتيقه وجديده ، ظاهره وباطنه ) هو الذي يقول على لسان داود : :" لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادا ( أع2 :27 ) . ومنطق العبارة الثانية يؤكد أن يسوع شخص حي ، ولم يستطع الموت أن يمسك به ، وليس مجرد شخص ميت باغتته قوة القيامة .هو حي بطبيعته ، وقد اجتاز موت طبيعتنا ، في كيانه . والبون شاسع بين مهزوم من الموت تفتقده القيامة، وبين منتصر بطبيعته على الموت - بفضل اتحاده الأقنومي مع لاهوت الكلمة - يجتاز الموت، وبخلعه العتيق - الذي هو نحن - على الخشبة تعتلن القيامة التي هي بالطبيعة ، طبيعته وليست حدثا طارئا.مجدي داود
السبت، 8 نوفمبر 2014
الاتحاد الأقنومي (2 )
الأربعاء، 19 مارس 2014
الاتحاد الأقنومي ( 1 )
الاتحاد الأقنومي عند القديس كيرلس السكندري
لتحرير المصطلح لدينا خطوتان :
لتحرير المصطلح لدينا خطوتان :
أولا - لابد أن نحدد أولا النسب اللغوي
في كلمة " الأقنومي " ، بمعنى آخر إلاما يعود نسب مفهوم " الأقنومية
" ؟ والسؤال للأسف يبدو ساذجا ، ولكن نظرا للتسطيح السائد في فهم المصطلحات اللاهوتية
أراني مضطرا لطرح السؤال . كلمة " أقنوم " ، hypostasis ، كما يستخدمها القديس كيرلس
تعني الشخص الحي ذا الهوية والطبيعة الواضحة ، وعندما يستخدمها في سياق الحديث عن الاتحاد
الأقنومي بالنسبة لشخص الكلمة المتجسد فهي تشير إلى طبيعة الاتحاد ذاته ، فالأقنومية
في مصطلح " الاتحاد الأقنومي " هي توصيف لماهية الاتحاد وليست تشير إلى عنصر
معين من العنصرين الداخلين في حدث الاتحاد ، فالاتحاد الأقنومي الخاص بشخص الكلمة المتجسد
هو الاتحاد الطبيعي الشخصي الذي أثمر شخصا هو الكلمة المتجسد بالاتحاد الفائق لمعرفتنا
بين لاهوت الكلمة وإنسانية الإنسان وليس مجرد الاتحاد بين " أقنوم " الكلمة
والعنصر الآخر الداخل معه في الاتحاد . ففي
الرسالة رقم 17 يشير القديس كيرلس السكندري إلى العنصرين الداخلين في الاتحاد الأقنومي
لشخص الرب على أنهما " أقنومين " ، فالكلمة هو " أقنوم " والإنسان
هو " أقنوم " آخر، هويتان وطبيعتان مختلفتان تدخلان في تركيب هوية وطبيعة
جديدة لم تكن موجودة من قبل وهي شخص الكلمة المتجسد ، وفي ذلك يقول قديسنا العظيم
:
.." يستطيع المرء أن يفهم أن
الجسد من جوهر مختلف عن الكلمة المتحد به، لكن لأن الأسفار الموحى بها إلهياً تقول
أنه يوجد إبن ومسيح ورب واحد، وتقليد الآباء (أيضاً) علّم بذلك وليس بأى تعليم آخر،
لذا –نحن- بتأكيدنا على الإتحاد غير المفترق بين الله الكلمة والجسد المُحيا بنفس عاقلة
– نعترف أنه يوجد مسيح وإبن واحد، ولأنه يوجد إبن واحد، لذلك نقول أن أقنومه واحد one person ( hypostasis) الرسالة رقم 50 إلى فاليريان أسقف أيقونية (29 )
ويقول أيضا : " من يقسم بعد الاتحاد
المسيح الواحد إلى أقنومين، ويربط بينهما فقط بنوع من الاتصال في الكرامة، والسلطة
والقوة، والمظهر الخارجى، وليس بالحرى بتوحيدهما في اتحاد طبيعى، فليكن محرومًا.( الحروم
الإثنى عشر ، 3 – الرسالة رقم 17 ، وهي الثالثة إلى نسطور .
- ويقول أيضا : " - من ينسب الأقوال
التي في البشائر والكتابات الرسولية، أو التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها
هو عن نفسه إلى شخصين أو أقنومين، ناسبًا بعضها للإنسان على حده منفصلًا عن كلمة الله،
وناسبًا الأقوال الأخرى، لكونها ملائمة لله، فقط إلى كلمة الله الآب وحده، فليكن محرومًا.
( الحروم الإثنى عشر،4 ، الرسالة رقم 17 ، وهي الثالثة إلى نسطور )
- وفي عبارة واضحة يقول : " إن
طبيعة الإنسان يُعترف بها أنها واحدة، وأنها أقنوم (هيبوستاسيس hypostasis)
واحد، حتى بالرغم من أنه معروف عنها أنها (مكونة) من عناصر realities مختلفة متباينة الأنواع،..(
رسالة القديس كيرلس الكبير رقم 50 إلى فاليريان أسقف أيقونية - 6 ).
وفي نفس الرسالة يشير قديسنا إلى أن
مفهوم " الأقنومية " في المصطلح يعود إلى ماهية الاتحاد ذاته فيؤكد أن الكلمة
وحد ذاته " أقنوميا " بالجسد ، فيقول : " ومن لا يعترف أن كلمة الله
الآب قد وحَّد نفسه أقنوميًا بالجسد، وهو مع جسده الخاص مسيح واحد، وأنه هو نفسه في
نفس الوقت إله وإنسان معًا، فليكن محرومًا. ( الحروم الإثنى عشر، 2، الرسالة رقم
17 ، وهي الثالثة إلى نسطور ) .
- وأيضا يقول : " ولأننا نعترف
أن الكلمة اتحد بالجسد أقنوميًا، فإننا نعبد ابن ورب واحد يسوع المسيح، دون أن نفصل
ولا نميز الإنسان عن الله، كما لو كان الواحد متصل بالآخر بالكرامة والسلطة، ( الرسالة
رقم 17 ، وهي الثالثة إلى نسطور- 4) .
- وأيضا يقول : …. وكما قلنا سابقًا،
فإن كلمة الله قد اتحد بالجسد أقنوميًا، فهو إله الكون ورب الجميع الذي يحكم الكل،
وليس هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه (انظر يو 13: 12-16). .الرسالة رقم 17 ، وهي الرسالة
الثالثة إﱃ نسطور5 ).
- وأيضا يقول : لأنه كما سبق وقلنا
إنه إذ وحَّد الإنسانى بنفسه أقنوميًا، وجاز الولادة الجسدية من بطنها، فلم تكن هناك
ضرورة لميلاد زمنى وفي آخر الدهور، لطبيعته الخاصة. لقد ولد لكي يبارك أصل وجودنا نفسه،
الرسالة رقم 17 ، وهي الرسالة الثالثة إلى نسطور11 .
- ويقول : " بل بالأحرى نقول
أن الكلمة حينما وحَّد لنفسه أقنوميًا جسدًا محيًا بنفس عاقلة، صار إنسانًا بطريقة
لا توصف ولا تدرك. وهو قد دعى ابن الإنسان ليس بحسب الرغبة فقط ولا بحسب الإرادة الصالحة،
ولا باتخاذه شخصًا فقط. ونحن نقول أنه على الرغم أن الطبيعتين اللتين اجتمعتا معًا
في وحدة حقيقية مختلفتان، فهناك مسيح واحد وابن واحد من الاثنين. ( الرسالة رقم 4-
الثانية إلى نسطور- 3 ).
- ويقول أيضا : "….. ولكن حيث
أنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا قد وحَّد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، وولد من امرأة،
فإنه بهذه الطريقة يقال أنه قد ولد بحسب الجسد. لأنه لم يولد إنسانًا عاديًا من العذراء
القديسة ثم بعد ذلك حل عليه الكلمة، بل إذ قد إتحد بالجسد في أحشائها، يقال أن الكلمة
قد قبل الولادة بحسب الجسد، لكي ينسب لنفسه ولادة جسده الخاص. ( الرسالة رقم 4 - الثانية
إلى نسطور- 4) .
ويقول أيضا: ".. والكلمة إذ قد
صار جسدًا هذا لا يعنى إلا أنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا. إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد
إنسانًا من امرأة دون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه
جسدًا ظل كما هو. … بل أن جسده المقدس، المحيا بنفس عاقلة، قد ولد منها ، العذراء ،
وفي اتحاد الكلمة به (نفس وجسد) أقنوميًا، حقًا يقال أن الكلمة ولد حسب الجسد. (الرسالة
رقم 4 - الثانية إلى نسطور- 7 ).
ثانيا – إذن من حيث مضمون المصطلح
فإن أقنومية الاتحاد بين العنصرين الداخلين في تركيب الشخص هي الضامن لتحرير مفهوم
الاتحاد ذاته من مجرد مفهوم الاقتران أو الانضمام أو المصاحبة أو الاختلاط أو الثنائية
أو الحلول لعنصر في الآخر أو إمكانية التمييز بين العنصرين والاستدلال على وجودهما
متمايزين بأي طريقة أخرى غير الإدراك العقلي والذهني . وفي حالة شخص الرب يسوع المسيح
الكلمة المتجسد نحن أمام اتحاد أقنومي بين الكلمة والطبيعة الإنسانية ، فيرى الرب إنسانا
كاملا بنفس القدر الذي يرى فيه كإله كامل وإن كان الاتحاد في حد ذاته أمر يفوق إدراك
وفهم البشر . من أجل ذلك نجد عند القديس كيرلس تعبيرا حاكما كاشفا هو تعبير "
الجسد الخاص "، فلأن الجسد قائم في وحدة أقنومية مع اللاهوت فهو ليس قيمة مضافة
للاهوت بل هو جسد الكلمة الخاص الذي صار مستعلنا وكاشفا لكل ملء اللاهوت منذ أن صار
جسدا خاصا بالكلمة وهو لم يكن سابقا خاصا بأي أحد غير الكلمة .
في ذلك يقول قديسنا : " ... وهكذا
أعلن أن الجسد هو جسده من إتحاد لا يُدرك وبلا إختلاط ولا يوصف على الإطلاق، ليس كجسد
شخص آخر، بل جسده هو الخاص جداً به His very own ، … ( الرسالة رقم 50 إلى فاليريان
أسقف أيقونية -3 ) .
ويقول أيضا : "..بل إذ قد إتحد
بالجسد في أحشائها ، يقال أن الكلمة قد قبل الولادة بحسب الجسد، لكي ينسب لنفسه ولادة
جسده الخاص. ( الرسالة رقم 4 وهي الثانية إلى نسطور- 4) .
ويقول أيضا: "... ولكننا نعبد نفس الرب الواحد لأن جسده
ليس غريبًا عن الكلمة، وفي اتحاده به يجلس عن يمين أبيه. نحن لا نقول أن ابنين يجلسان
بجانب الآب، بل إبن واحد بواسطة اتحاده بجسده الخاص. ولكن إذا رفضنا الاتحاد الأقنومى
سواء بسبب تعذر إدراكه، أو بسبب عدم قبوله، نسقط في التعليم بابنين. ( الرسالة رقم
4، وهي الثانية إلى نسطور- 6 ).
وأيضا : ".. والكلمة إذ قد صار جسدًا هذا لا يعنى إلا
أنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا. إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة دون أن
يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو. … بل
أن جسده المقدس، المحيا بنفس عاقلة، قد ولد منها ، العذراء ، وفي اتحاد الكلمة به
(نفس وجسد) إقنوميًا، حقًا يقال أن الكلمة ولد حسب الجسد ( الرسالة رقم 4- الثانية
إلى نسطور- 7 ).
ولأن الجسد هو جسده الخاص فإن معاناة
الجسد تنسب للكلمة الكائن في اتحاد أقنومي معه . يقول قديسنا: ".. لذلك نقول أنه
تألم أيضًا وقام ثانيةً، ليس أن كلمة الله تألم في طبيعته الخاصة، أو ضرب أو طعن أو
قبل الجروح الأخرى، لأن الإلهى غير قابل للألم لأنه غير مادى. لكن حيث أن جسده الخاص
الذي ولد، عانى هذه الأمور، فإنه يقال أنه هو نفسه أيضًا قد عانى هذه الأمور لأجلنا.
فغير القابل للآلام كان في الجسد الذي تألم. وبنفس الطريقة نفكر أيضًا في موته. فكلمة
الله حسب الطبيعة غير مائت وغير فاسد لكونه هو الحياة ومعطى الحياة .ولكن بسبب أن جسده
الخاص ذاق بنعمة الله الموت لأجل الجميع كما يقول بولس (أنظر عب 2 : 9)، ( الرسالة
رقم 4 – الثانية إلى نسطور – 5 ).
وأيضا يقول : " ….، لكن حيث أن
العقل بديهيًا يدرك الاختلاف من حيث النوع بين العناصر المتحدة، لذلك نعترف بابن واحد،
ومسيح واحد، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسدًا. وحينما نقول "جسدًا"، نقصد
"إنسانًا". .. لكن إن كانت عبارة "صار جسدًا" تحضر بكل معنى الكلمة
خطة تدبير التجسد، … إذن فمن الجهالة أن يتكلم أحد عن أنه يجتاز الآلام في طبيعته الخاصة،
كعاقبة حتمية، حينما يتحتم أن يكون الجسد مرئيًا كأساس لحدوث الألم بينما الكلمة هو
غير قابل للألم. ومع ذلك فإننا لا نستبعد أن ننسب إليه الألم. فكما أن الجسد صار ملكًا
خاصًا له، هكذا أيضًا ينسب إليه كل ما هو للجسد ، وفقًا لخطة الله فى تخصيصه لهذا الغرض.
الرسالة 46 ، إلى سكسينسوس -2 ).
تعبير " الجسد الخاص بالكلمة " يمكن أن
ندركه في عبارة أكثر تبلورا عند كيرلس الكبير وهي عبارة" طبيعة واحدة متجسدة للكلمة
" ، إذ يقول :
" - … لأننا لو كنا قد تكلمنا
عن طبيعة واحدة للكلمة بدون الإضافة الصريحة لعبارة "متجسدة"، في استبعاد
واضح للخطة الإلهية، لصار السؤال الذي يدّعونه عن الطبيعة البشرية الكاملة أو إمكانية
استمرار جوهرنا في الوجود مقبولًا ظاهريًا. ولكن في تقديمنا عبارة "متجسدة"
تعبير عن كماله في الناسوت وفي طبيعتنا البشرية،. ( الرسالة ،46 إلى سكسينسوس- 4)
.
ولأن تعبير " الجسد الخاص بالكلمة " عند
كيرلس الكبير يعني أن الكلمة قد ولد في الزمن فقد كان تعبير " الثيئوتوكوس
" مصطلحا كاشفا لمضمون مفهوم " الاتحاد الأقنومي " ، إذ أن الكلمة المولود
من أبيه الذاتي منذ الأزل قد اختار أن يولد ثانية في زمن خليقتنا وذلك حينما اتخذ جسدا
من طبيعتنا في أحشاء العذراء مريم ، وفي ذلك يقول: " وحيث أن العذراء القديسة ولدت جسديًا، الله متحدًا
بالجسد حسب الأقنوم، فنحن نعلن أنها والدة الإله، ليس أن طبيعة الكلمة تأخذ بداية وجودها
من الجسد لأنه "(أى الكلمة)كان في البدء، والكلمة كان الله، وكان الكلمة عند الله"
(يو1: 1)، … لكن، لأنه كما سبق وقلنا إنه إذ وحَّد الإنسانى بنفسه أقنوميًا، وجاز الولادة
الجسدية من بطنها، فلم تكن هناك ضرورة لميلاد زمنى وفي آخر الدهور، لطبيعته الخاصة.
لقد ولد لكي يبارك أصل وجودنا نفسه، ولكى بولادته من امرأة حينما يتحد بالجسد ترفع
عن كل الجنس (البشرى) اللعنة التي ترسل أجسادنا من الأرض إلى الموت، ... ( الرسالة
رقم 17 ، الثالثة إلى نسطور- 11 ).
ويقول أيضا : ....من أجل هذا نعترف
بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبهذا الفهم للاتحاد غير المختلط، نعترف بأن العذراء
القديسة هي والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وَحّدَ
بنفسه الهيكل الذي اتخذه منها. (الرسالة 39 إلى يوحنا الأنطاكى – 3) .
- وتعبير " الجسد الخاص بالكلمة
" عند كيرلس ليس مجرد تعبير خريستولوجي كاشف وحاكم لمفهوم مصطلح " الاتحاد
الأقنومي بين الكلمة والجسد ، بل إنه أيضا تعبير " إفخارستي " بامتياز ،
فلأن الجسد هو جسده الخاص فهو الجسد المعطي للحياة لكل من يشترك فيه من البشر ، ففي
ذلك يقول قديسنا : " .. ولأنه الله فهو
الحياة بحسب طبيعته، ولأنه صار واحدًا مع جسده الخاص، أعلن أن جسده معطى الحياة. لأنه
رغم أنه يقول: "الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه"
(أنظر يو6: 53) لا يجب أن نستخلص من هذا أن جسده هو جسد واحد من الناس منا ، ولكنه
بالحقيقة الجسد الخاص للإبن الذي صار إنسانًا كما دعى ابن الإنسان لأجلنا. (الرسالة
17 الثالثة إلى نسطور 7)
نموذج الشخص الإنساني
عند القديس كيرلس
أعتقد بأن عبقرية نموذج الشخص الإنساني-
الذي استخدمه قديسنا العظيم كمرجعية للحديث عن الاتحاد الأقنومي الكائن في شخص الكلمةالمتجسد-
هي أنه لم يكن مجرد نموذج توضيحي بل بالقطع كان نموذجا تطبيقيا " applied model"
لحالة الاتحاد الأقنومي ، أوقل " الشخصي " الذي يقيم شخصا حيا واحدا باتحاد
عنصرين مختلفين بغير ثنائية أو ازدواجية أو اختلاط أو أي أثر تغييري لعنصر على الآخر.فالشخص
الإنساني – الذي نحن إياه – هوالنفس الإنسانية العاقلة المستعلنة والواضحة بجلاء شديد
في الهيكل البيولوجي المرئي في صيغة اللحم والدم . والشخص الإنساني – الذي نحن إياه
– هو أيضا ذات الهيكل البيولوجي الذي تعبر صيغته عن النفس الإنسانية العاقلة بجلاء
شديد . لا انقسام ولا ثنائية ولا فصل يمكن رصده ماديا بين النفس والجسد ، فكل من العنصرين
ينتمي إلى الآخر ، فالنفس هي نفس الجسد والجسد هو جسد النفس ، وفي ذلك يقول قديسنا
العظيم : "... لأن من المعروف أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس، لكنه جسد النفس،
ويُكمّل أقنوم الإنسان الواحد. ورغم أن الفرق المذكور بين النفس والجسد ليس غامضاً
فى عقلنا وتفكيرنا، إلا أن إجتماعهما معاً أو تقابلهما - لأنه (أى الإجتماع) غير مُقسّم
(غير منفصل) -يكون إنسان واحد حى. …… رسالة القديس كيرلس الكبير رقم 50 إلى فاليريان
أسقف أيقونية- 6 .
ويقول أيضا " …” ولكن الكلمة
إذ اتحد بالجسد بحسب الطبيعة دون أن يتغير إلى جسد، فإنه حقق حلولًا مثلما يقال عن
حلول نفس الإنسان في جسدها الخاص ( الرسالة رقم 17، الثالثة إلى نسطور- 4 ) .
وأيضا: " إن الله والإنسان بإجتماعهما
معاً by coming
together لم يكوّنا المسيح الواحد -
كما يقولون - بل، كما قلت، أن الكلمة الذى هو الله فعلاً تشارك فى الدم واللحم مثلنا
ليعرف أن الله تأنس وأخذ جسدنا وجعله خاصاً به، لكى- تماماً كما هو معروف أن أى إنسان
مثلنا يتكون من نفس وجسد- كذلك هو أيضاً يعترف به أنه واحد، إبن ورب معاً. …… رسالة
القديس كيرلس رقم 50 إلى فاليريان أسقف أيقونية (5 )
وأيضا: ".. إذا دعونا ابن الله الوحيد الجنس المتجسد
والمتأنس، واحدًا، فهذا لا يعنى أنه امتزج كما يظنون؛ فطبيعة الكلمة لم تتحول إلى طبيعة
الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، لا، بل بينما ظل كل عنصر منهما مستمرًا
في صفته الطبيعية الخاصة، للسبب الذي ذكرناه، متحدًا بطريقة سرية وفائقة لأى شرح، ظهر
لنا في طبيعة واحدة (لكن كما قلت طبيعة متجسدة) للإبن. وعبارة "واحدة" لا
تطبق بالضبط على عناصر مفردة أساسًا لكن لكيان مركب مثل الإنسان المركب من نفس وجسد.
فالنفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر في الجوهر، إلا
أنهما في اتحادهما يؤلفان طبيعة الإنسان الواحدة، على الرغم من أن الاختلاف في عناصر
الطبائع المتحدة موجود في حالة التركيب. ، )الرسالة 46 من القديس كيرلس إلى سكسينسوس-
3 .
وأيضا : " فلنأخذ مرة أخرى مثال الإنسان العادى. إننا
ندرك أن هناك طبيعتين في هذا الإنسان، إحداهما هى النفس والأخرى هي الجسد. ولكننا نقسمهما
في الفكر فقط، قابلين الاختلاف ببساطة على أنه في البصيرة الداخلية والإدراك الذهنى
فقط، فنحن لا نفصل الطبيعتين، ولا ننسب إليهما قدرات على الانفصال الجذرى، لكننا ندرك
أنهما ينتميان إلى كائن حى واحد حتى أن الاثنين لا يعودوا بعد اثنين، والكائن الحى
الوحيد يكمل من طبيعتين. ) الرسالة 46، إلى سكسينسوس-5.
وأيضا: "… لأن المسيح الواحد
الوحيد ليس فيه ثنائية رغم أننا نعتبره من عنصرين مختلفين إتحدا في وحدة غير منقسمة،
وبنفس الطريقة فإننا مثلًا لا نعتبر أن في الإنسان ثنائية مع أنه يتكون من عنصرين هما
النفس والجسد. ( الرسالة رقم 17 ، الثالثة إلى نسطور - 8 .
خلاصة
إذن نستطيع أن نفهم أن الاتحاد الأقنومي
عند كيرلس هوذلك الحدث الفائق الإدراك الذي تم فيه ظهور شخص الكلمة المتجسد كشخص واحد
لا انقسام ولا ثنائية فيه بالرغم من أننا نستطيع ذهنيا أن ندرك أنه إله كامل وإنسان
كامل ولكن هذين الجوهرين المتمايزين يحدث بينهما وجود وحضور متبادل ، فلاهوت الكلمة
المتجسد يستعلن حضور ووجود جسده الخاص ، بينما في ذات الوقت يحدث أن إنسانية الكلمة
المتجسد تستعلن حضور ووجود لاهوته ، فبتجسد الكلمة قد قبل أن ينسب إليه كل ما يخص الجسد
من ضعف وموت ، لأن الجسد هو جسده الخاص ، وفي ذات الحدث قبل جسده الخاص كل مجد لاهوت
الكلمة ، ليظهر لنا جسدا محييا، فيه يجتمع كل الذين قبلوا الخلاص . فقط في هذا الاستعلان
الوجودي المتبادل بين الجوهرين يتلاشى الانقسام والاختلاط والتغيير ليبقى كل جوهر من
الجوهرين قادرا على استعلان الشخص كاملا دون أن يتحول إلى الآخر أو يذوب فيه .
مجدي داود
السبت، 25 مايو 2013
مفهوم التدبير عند أثناسيوس ( 4 )
ثالثا : موت المسيح وقيامته
لقد كان مشهد الصلبوت المأساوي مشهدا كاشفا لعمق
أعماق التدبير؛ إذ قد تكشف بجلاء شديد أن الكلمة بتجسده قد أظهر إنسانيته الخاصة إنسانية
جديدة خالدة عديمة الألم والموت . ينتهي المشهد الجلل بالصرخة المدوية للمعلق على الخشبة
" إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني ؟". تفارق نفسه جسده فيموت موتنا . يوضع جسده
الظاهر في القبر . ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا الحد المأساوي ، فالأمر كله تحت سيطرة
التدبير، إذ يتجلى أن صورته الإنسانية الباطنية
غير قابلة للموت ، بل ومتحدية له ، ليس على مستواه الشخصي بل على مستوى الجميع ، فينزل
الكلمة إلى الجحيم محتجبا في هذه الصورة ،
فيكرز للأروح الحبيسة ويحلها من أسرها مؤسسا القيامة . وهنا يتكشف وجه آخر لما يستعلنه
المشهد ، إذ قد حدث تغير جذري دراماتيكي بالنسبة لنا ، فقد حدث تحول من مشهد صليب العار
إلى حقيقة وواقع الصليب المحيي ،إذ تكرس طريق
خلاص الذين يؤمنون بالمسيح وذلك حينما يقبلون أن يشتركوا في صليب وموت المسيح بفعل
مماتية الروح القدس فيقومون من موتهم لينضموا إلى بكرهم وبذلك يكونون قد استقبلوا ثمر التجسد في أجسادهم ، ويكونون قد قبلوا استحقاق
ما صنعه الكلمة لجسده الخاص – عندما صار جسدا خاصا به – في أجسادهم ، وتصبح إنسانية
يسوع المنتصرة رأسا لوجودهم الإنساني الجديد ، أي الكنيسة .
78- " إنه لم يذهب إلى الجحيم بجسده بل ذهب
إلى الجحيم لكي يبشر النفوس التي كانت في سلاسل العبودية، وذهب وبشر بصورة إنسانيته
التي لم تخضع لسلطان الموت ، بل غلبت الموت ودحرته ، وهكذا كان حاضرا مع الموتى لكي
يصور أساس القيامة ويحطم السلاسل التي كانت تربط النفوس الأسيرة في الجحيم . وهكذا
أعلن أنه خالق الإنسان ومصوره، والذي حكم على الإنسان بالموت، جاء وبحضوره في الصورة
الإنسانية ، وبإرادته وحده حرر الإنسان من حكم الموت ، لأن الموت لم يستطع أن يقوى
على نفس المسيح الإنسانية التي اتحدت باللوغوس، بل عجز الموت عن أن يستعبدها، ولا استطاع
الفساد أن يذلها أو يأسرها، ومع أن الموت فصل النفس عن الجسد، إلا أن الفساد لم يتجاسر
على أن يقترب من أيهما لأن كل الذي حدث ، إنما كان تحت السيطرة الإلهية وعنايتها
". ( تجسد ربنا يسوع المسيح : 14 )
" صورة أو " morphi " تعني الصفات والمميزات والخصائص التي تكون الكائن ولذلك قيل
أن المسيح كان في صورة الله أي له ذات صفات وخصائص الله، وبالاتحاد بين اللاهوت والناسوت
صارت الصورة الإنسانية في المسيح غير قابلة للموت وهو ما جعل بشارة المسيح في الجحيم
أساسية لكي ينزل إلى مجال الموت بنفسه الإنسانية وهناك يصور أو يخلق القيامة ويطلق
سراح الاسرى من البشر ". ( تعليق د/
جورج حبيب على النص ، هامش ص35 )
79- " إن الجحيم لم يكن يستطيع أن يحتمل
ظهور اللاهوت غير محجوب في النفس الإنسانية "( تجسد ربنا يسوع المسيح : 17 )
80- " وهكذا " بنفس " الآلة، انحلت
قبضة الموت، والقيامة من الجحيم تمت، والأرواح الأسيرة سمعت البشارة المفرحة،
"وبجسد" المسيح أبطل الفساد وسطع عدم الفساد من القبر. وهكذا لم ينفصل الإنسان
عن الله ولا تخلى الله عن الإنسان ، ولا بالموت وانفصال الروح كان اللاهوت قد فارق
الجسد وإنما فارقت النفس الجسد وبذلك تم موتنا نحن .( ظهور المسيح المحيي : 15)
ملحوظة : استخدم المعرب مفردات " اللاهوت " و" الناسوت
" بدلا من " الله "و "الإنسان " ، ثم عاد واستدرك في الهامش
موضحا أن الأصل الوارد في النص اليوناني هو " الله والإنسان ". والأمر في
الصيغة الأصلية ذو دلالة مهمة ، فما يتحدث عنه أثناسيوس هو إنسانية يسوع الكاملة بظاهرها
وباطنها وإن كان الجسد قد " ترك" من اللاهوت ووضع في القبر فهذا لايعني أن
كيان يسوع الإنساني قد خضع للموت أو هزم منه ، فحياته الإنسانية ( الصورة الإنسانية
) التي تعبر عن كل إنسانيته لم تهزم بل على العكس قد نزلت إلى الجحيم لتبشر المسبيين
بالعتق من عبودية الموت وتؤسس لهم القيامة ليلحقوا ببكرهم الرب يسوع نفسه .
81- " هذا الجسد هو الذي وُضِعَ في قبر ـ
عندما تخلى عنه الكلمة ـ ولكنه لم ينفصل عنه ـ وذلك " ليكرز للأرواح التى في السجن
" كما يقول بطرس ". ( الرسالة إلى
أبكتيتوس: 5 )
82- " وهكذا حيث ساد الفساد على جسد الإنسان
، قدم يسوع جسده، وعندما ربطت النفس الإنسانية بقوة الموت، قدم يسوع نفسه، فاستطاع
الذي لا يمكن أن يربطه الموت أن يكون حاضرا كإنسان وأن يفك رباطات الموت كإله . وحيث
زرع الفساد ، ينمو عدم الفساد، وحيث ملك الموت على الصورة الإنسانية أي النفس،يحضر
عديم الموت والذي يعطي الخلود وبذلك يجعلنا شركاء في عدم فساده وعدم موته بالرجاء في
القيامة من الموت، وهكذا تم الخلاص عندما " لبس الفساد عدم الفساد والمائت عدم
الموت". " وكما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت، هكذا
بإنسان واحد يسوع المسيح تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية"( تجسد ربنا يسوع المسيح
: 17 )
يمثل مشهد الصليب ، المعقوب بالقيامة ، أفضل مثال
لخاصية أخرى تضطلع بها علامات وإعلانات التدبير المختلفة ،وهي دلالة المشهد كلغة منطقية
يخاطب بها العقل البشري ، حتى مايتم ضخ الحد الأدنى المعرفي بخصوص التدبير . لذلك نجد
القديس أثناسيوس حينما يحاجج بخصوص موت الرب وقيامته فهو يستخدم الألفاظ التي تتعامل مع منطقية العقل البشري مثل
: الواضح والمعلن والدليل والبرهان والشك والظن وما هو لائق وما هو غير لائق وما هو
معقول ..الخ
إذن أي مشهد من مشاهد التدبير يحمل
رسالة ولغة خطاب معينة تتوافق مع العقل البشري وبالتالي توصل الحقيقة الإيمانية اللاهوتية
في صيغة منطقية إنسانية تتوافق مع الحد الأدنى للإدراك البشري . هذا فضلا عن إظهار
التطابق بين تفاصيل المشهد وبين النبوات القديمة . وفي حالة الصليب والقيامة نجد أن
القديس أثناسيوس يتجاوز مجرد انحصار توجه الخطاب التدبيري ( إذا جاز التعبير) إلى المؤمنين
بل يجده خطابا صالحا للكرازة ، أي الخطاب الذي يوجه لغير المؤمنين :
83- "... أما التدبير فهو واضح ومعلن في الصليب
لأن جسده ظهر أنه جسد حقيقي بواسطة سكب دمه، وعندما صرخ بصوت عال ، أعلن عن نفسه الإنسانية
التي أسلمها دون ان تنفصل عن اللاهوت ، وإنما بخروج نفسه مات الجسد، أما اللاهوت فلم
يفترق من الجسد في القبر ولا من نفسه في الجحيم ، وهذا هو معنى الكلمات التي نطق بها
فم النبي " لن تترك نفسي في الهاوية ولن تدع قدوسك يرى فسادا ". ( ظهور المسيح
المحيي: 14 )
84-" ولو أنه وَضَعَ جسده (للموت) فى مكان
خاص وعلى فراش كما يموت البشر عادة، لكان الناس قد ظنوا أنه ذاق ذلك (الموت) بسبب ضعف
طبيعته، ولظنوا أيضًا أنه لم يكن فيه ما يميّزه عن سائر البشر". ( تجسد الكلمة 21: 5 )
85- " ولماذا إذن لم يمنع حدوث الموت كما
منع المرض من أن يسيطر (على الجسد)؟ ذلك لأنه لأجل هذا (الموت) اتخذ الجسد، ولم يكن
لائقاً أن يمنع الموت لئلا تتعطل القيامة أيضاً. ولم يكن لائقًا أيضًا أن يسبق المرض
موته لئلا يُظن أن ذاك الذى كان في الجسد كان ضعيفًا ". ( تجسد الكلمة 21: 7 )
86- " ومرة أخرى نقول لو أن جسده كان قد مات
نتيجة تعرضه للمرض وانفصل عنه الكلمة أمام نظر الجميع لكان غير لائق بمن شفى أمراض
آخرين أن يترك أداته الخاصة (جسده) يموت بسبب المرض. فكيف يُصدّق المرء أنه كان يشفى
أمراض الآخرين إن كان هيكله الخاص قد تعرّض للمرض ؟ "( تجسد الكلمة 22: 5 )
87- " وحتى ولو لم يكن به أي مرض أو وجع،
وافترضنا أنه هو نفسه قام بإخفاء جسده "فى زاوية" أو فى صحراء أو منزل، أو
أي مكان آخر، ثم بعد ذلك ظهر فجأة قائلاً أنه قام من بين الأموات، وتراءى للجميع أنه
يتكلّم بكلام هذيان ولَمَا صدقوا ما قاله عن القيامة، لأنه لم يكن هناك أي شاهد على
موته. فالموت لابد أن يسبق القيامة، لأنه لا
يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت ". (تجسد الكلمة 23: 1 )
88-
" ولماذا يجعل موته سرًا إن كان، بعد ما قام، أعلن قيامته جهارًا؟ .. فلماذا
لا يُظهِر أمام الجميع عدم فساد جسده الذى كان قابلاً للموت، لكى يؤمن الجميع أنه هو
"الحياة" ؟ " ( تجسد الكلمة 23: 2 )
89- " وكيف يكون لتلاميذه الجسارة على أن
يتكلّموا عن القيامة إن كانوا لا يستطيعون أن يقولوا إنه مات أولاً؟ أو كيف يمكن أن
يُصدِّق أحد قولهم إن الموت حدث أولاً ثم بعد ذلك القيامة لو لم يكن هناك شهود على
موته من بين الذين يكلّمونهم؟ " ( تجسد الكلمة 23 : 3 )
90- " وكيف كان يمكن تقديم البرهان على إبطال
الموت والانتصار عليه لو لم يكن قد واجه الموت أمام أعين الجميع وأظهر أنه ميت، وأنه
سيتلاشى كلية في المستقبل، وذلك بواسطة عدم فساد جسده ؟ "( تجسد الكلمة 23: 5
)
91- " إذًا فقد كان الموت من أجلنا على الصليب
لائقًا وملائمًا. وقد اتضح أن سببه كان معقولاً من جميع الوجوه، ومن الحق أن يقال إنه
لم تكن هناك طريقة أخرى يتحقق بها خلاص الجميع سوى الصليب. لأنه حتى على الصليب فإنه
لم يجعل نفسه مختفيًا بل بالحرى فإنه جعل الطبيعة تشهد لحضور خالقها، وبعد ذلك لم يَدَع
هيكل جسده يظل وقتًا طويلا ميتًا، إلاّ بالقدر الذى أظهر فيه أن الجسد مات باحتكاك
الموت به، ثم أقامه حالا فى اليوم الثالث، حاملا عدم الفساد وعدم التألم اللذين حصلا
لجسده، كعلامة للظفر والانتصار على الموت. " ( تجسد الكلمة 26: 1 )
92- " ولقد كان يستطيع أن يقيم جسده بعد الموت
مباشرة، ويظهره حيًا، ولكن المخلّص بحِكمَة وبُعد نظر لم يفعل ذلك لأنه لو كان قد أظهر
القيامة فى الحال لكان من المحتمل أن يقول أحدهم إنه لم يَمُتْ بالمرة أو إن الموت
لم يلمسه بشكل كامل ". ( تجسد الكلمة 26: 2 )
93- " وربما لو حدثت القيامة فى اليوم التالي
للموت مباشرة لما ظهر مجد عدم فساد جسده. ( تجسد الكلمة 26: 3 )
94- " ولكن لو أنه أقام الجسد بعد أن بقى
فترة طويلة، وبعد أن فسد تمامًا، فقد يُشَك فيه كأنه قد استبدل جسده بجسد آخر... لهذا
السبب فإن الرب لم ينتظر أكثر من ثلاثة أيام " . ( تجسد الكلمة 26: 5 )
95- ولكن بينما أقواله لا تزال تَرِنْ فى آذانهم، وعيونهم لا تزال في حالة توقع
وعقولهم معلّقة حائرة، وإذ الذين قتلوه لا يزالون أحياءً على الأرض وفى المكان نفسه،
ويمكن أن يشهدوا بموت جسد الرب؛ فإن ابن الله نفسه ـ بعد فترة ثلاثة أيام ـ أظهر جسده
الذى قد مات غير مائت وعديم الفساد. وقد اتضح للجميع أن الجسد قد مات ليس بسبب أي ضعف
فى طبيعة الكلمة الذى اتحد بالجسد، بل لكى يُباد الموت فيه (في الجسد) بقوة المخلّص.(
تجسد الكلمة 26: 6 )
96- "... وإن كان المسيح قد أمات الموت فماذا
كان ممكنًا أن يحدث إلاّ أن يقيم جسده ويظهره
كعلامة للنصرة على الموت؟ أو كيف كان ممكنًا إظهار ما لم يكن جسد الرب قد قام؟ (تجسد الكلمة 30: 2 )
97- " الكتب المقدسة أيضًا لم تصمت عن ذكر
موته، بل على العكس أشارت إليه بوضوح تام. ولكي لا يتشكك أحد بسبب نقص المعرفة للأحداث
الفعلية، فإنها لم تخش أن تتحدث عن سبب موته... كما تحدثت الكتب عن مؤامرات اليهود
ضده وما لاقاه من إهانات منهم ". (تجسد الكلمة 34: 1 )
98- " لأن موسى هو أول من تنبأ عنه بصوت عالٍ
قائلاً: "وترون حياتكم معلقة أمام أعينكم ولا تؤمنون" ومن بعده شهد الأنبياء
قائلين: "وأنا كحمل برئ يساق إلي الذبح ولم أعلم أنهم تآمروا عليّ قائلين تعالوا
لنلقى على خبزه شجرة ونقطعه من أرض الأحياء" . ( تجسد الكلمة 35 : 2 )
99- " وأيضًا " ثقبوا يدي ورجلي، وأحصوا
كل عظامي، اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا القرعة" .( تجسد الكلمة 35 :
3 )
100- " فالموت الذي يُرفع فيه الإنسان إلى
فوق في الهواء ويُعلّق على خشبة لا يمكن إلاّ أن يكون موت الصليب. وأيضًا اليدان والرجلان
لا تثقبان في أى موت سوى موت الصليب".( تجسد الكلمة 35 : 4 )
خلاصة
كيف ندرك المدلول اللاهوتي لإعلانات ( مشاهد
) التدبير المختلفة ، من ميلاد الرب في مزود للبقر و نموه في القامة ومسحته في مياه
الأردن وصلبه وقيامته وصعوده ؟ اعتقد أنه قد بات واضحا من خلال النصوص السابقة أننا نستطيع أن نرصد إشارات واضحة عند أثناسيوس بخصوص المدلول العميق لمشهد تدبيري ما ، من خلال النقاط
الحاكمة الآتية :
أولا:
التجسد هو النقطة الحاكمة الأم؛ فمحورية التجسد أمر أساسي حاكم في أمر تدبير خلاصنا
. ولا يوجد أي ثمر يرتجى أو نعمة تبتغى ، خارجا عن ما قد حدث لجسد الكلمة الخاص الصائر
رأسا ومنبعا للنعمة .
ثانيا :
الإعلان التدبيري كاشف لواقع يسوع ، منشئ لواقع الكنيسة :
مشهد الولادة
يكشف أن يسوع الإنسان مولود كرب للحياة الأبدية
قبل أن يولد في المذود، إذ هو جسد الكلمة الخاص، أي الشريك في حياة الكلمة بفضل الوحدة
الأقنومية معه، وهذه هي شهادة أليصابات تؤكد هذ الأمر، إذ قد شهدت بأن العذراء- التي
ماتزال حبلى ، في ذلك المشهد - هي أم الرب (
لو1: 43). وبالتأكيد لم تكن أليصابات تشيير إلى ربوبية الكلمة ، في لاهوته العاري
، بل إلى الكلمة المتجسد الذي بالفعل كان قد ظهر متجسدا مع ظهور الجنين في رحم العذراء
، فالكلمة لم يصر ربا، في ذلك الحدث، إلا بظهوره
متجسدا. أيضا لايمكن أن يطلق على العذراء أنها أم الرب إلا حينما صار الكلمة جسدا،
وهو بالفعل قد حل بيننا ( فينا ) بمجرد ظهوره جنينا في رحم أمنا المطوبة . هذا بالإضافة
إلى أن مشهد ولادته يكرس بدايتنا نحن للحياة
الجديدة وولادتنا من فوق وتبنينا للآب السماوي بالشركة في ابنه المتجسد في الروح القدس.
ولذلك نحن نستدعي كل عام مشهد ولادته كمناسبة للاحتفال والفرح بولادتنا الجديدة التي
كشفها ميلاد الكلمة المتجسد في تاريخنا .
مشهد المسحة في الأردن
يكشف أن يسوع الإنسان ممسوح بالروح قبل أن يدلف
إلى مياه الأردن ، إذ هو جسد الكلمة الخاص، أي الشريك في وحدة أقنومية مع من يهب روح
المسحة . وإذا كان الإنسان يسوع واحدا مع الابن فهو في ذات الحدث واحد مع الآب ومع
الروح ، لأن الشخص ( من شخوص الثالوث ) لايحضر منفردا بل في شركة مع الشخصين الآخرين
، وبينما الإنسان يسوع كائن في وحدة أقنومية مع الابن ، فهذا يعني أنه في وحدة مع من
هو في ضمنية متبادلة مع الآب والروح .
أيضا معمودية الأردن - وظهور الروح مثل حمامة ، وسماع
صوت الآب " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " - تكرس مسحتنا نحن ككنيسة
، وصيرورتنا موضوعا لمسرة الآب باجتماعنا كأعضاء في جسد ابنه . فلم يكن الآب - في الأردن
- مخاطبا للابن - في لاهوته العاري ( naked )- بل كان مخاطبا الابن الظاهر في كنيسته المكتملة ، لذلك نحن نستدعي
كل عام مشهد معمودية الرب كمناسبة للاحتفال والفرح بمسحتنا فيه.
مشهد الصليب
يكشف أن يسوع الإنسان مصلوب قبل أن يعلق على الخشبة،
إذ هو جسد الكلمة الخاص الذي سمرت فيه كل أهواء البشرية وميولها الردية وإرادتها الضعيفة
المنحرفة ، بفضل الكلمة الكائن معه ، في وحدة أقنومية لا تسمح بأي عزلة أو خطية أو شر .
هذا بالإضافة إلى أن مشهد الصلبوت
المهيب يكرس لنا طريقا للخلاص بالشركة في آلام وموت الرب المحيي الذي نجتازه معه من
خلال مماتية الروح القدس ، فنصلب الجسد مع الأهواء والشهوات ، نصلب العتيق ، فيموت معه ،على حساب خلقة الجديد
. لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد آلامه وموته للاحتفال بصليبه المحيي الذي كشفه لنا في
ذلك الزمان ، كطريق لفصحنا نحو الحياة وعدم الموت .
مشهد القيامة
يكشف أن يسوع الإنسان منتصر على الموت قبل أن
يعلن ذلك في اليوم الثالث لموته ، إذ هو جسد الكلمة الخاص الشريك في حياة الكلمة ،
بفضل الوحدة الأقنومية التي تجمعهما في شخص
واحد .
هذا بالإضافة إلى أن مشهد القيامة
يكرس ويدشن قيامتنا فيه وبه . لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد قيامته المظفرة للاحتفال
بقيامتنا معه بتدبير ظهور باكورة قيامتنا وخلودنا ، الرب القائم ذاته .
مشهد الصعود
يكشف أن يسوع الإنسان صاعد إلى السماء قبل أن يرتفع
وسط دهشة تلاميذه الشاخصين إليه ، إذ هو جسد الكلمة الخاص الذي كان ظهوره كاشفا لنزول
الكلمة إلى عالمنا ، ونزول الكلمة إلى الإنسان يعني صعود الإنسان في الكلمة إلى الآب
.
إذن بالإضافة إلى أن مشهد الصعود يكرس بدء زمن صعودنا
فيه . لذلك نحن نستدعي كل عام مشهد صعوده لنحتفل بتكريس صعودنا فيه إلى الآب ، فهاهي
بشارة المجدلية إلى التلاميذ ، والتي حملت إياها من قبل الرب القائم " إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"(
يو20: 17 )، فهو يصعد مرتين ، مرة حينما صعد منذ أن صارت هناك وحدة أقنومية بينه وبين
الكلمة ( إلى أبي ، إلى إلهي )، ومرة ثانية حينما يصعد كنيسته فيه إلى الآب ( إلى أبيكم
، إلى إلهكم ). هكذا يكشف هذا المشهد صعود إنسانيته بفضل التجسد ، ويدشن صعودنا بفضل
إنضمامنا إليه.
ثالثا :
الإعلان التدبيري يشير إلى الحدث كاملا ، ولا مجال للرؤية التكاملية بين المشاهد المختلفة
؛ فلم نرصد أن أثناسيوس قال بتكامل مضامين المشاهد المختلفة ، مثل تكامل مضمون الصليب مع مضمون مسحة الأردن ، مثلا ، بل أن كل مشهد يكشف مضمون تدبير التجسد كاملا . فالمسحة كشفت صيرورة
الكلمة مسيحا حينما صار جسدا ، ولم يكن من الممكن أن يلقب بالمسيح مالم يكن قد ارتدى
جسدنا . والصليب كشف عن الصورة الإنسانية عديمة الفساد التي صارت فيه منذ اول لحظة
للتجسد . فلا يحتاج يسوع أن نحسب له رصيدا ما
قد حصل عليه بالمسحة ، ثم يضاف إليه ما قد حصل عليه بالصليب ، ثم القيامة والصعود
إلى أن يبلغ ما ينبغي أن يبلغه . هذا وهم لا ينبغي أن ننزلق إليه ، والقديس أثناسيوس
لا يعرف ترقيا حصل عليه يسوع ، الكلمة المتجسد ، غير نمو قامته بيولوجيا ، ونمو وعي
معاصريه به كإله . ولقد كان من الضروري لأثناسيوس بحسب أسلوبه في الكتابة – في سياق
دحضه لقول الهراطقة بأن الكلمة قد ارتقى كأجر فضيلة – أن يقرر صراحة بأن الذي ارتقى
– بطريقة تدريجية تراكمية - هو جسد الكلمة الخاص ، وعليه تكون إنسانيته -وفقا لهذا
الطرح - قد ارتقت وتجددت صائرة عديمة الموت.
ولكنه لم يقل بذلك ولم يشر من قريب أو بعيد إلى ذلك ، بل على العكس فقد قرر القديس
أثناسيوس أن الترقي هو التحرر من الخطية ، إذن فكيف يستقيم هذا الأمر بخصوص من هو بلا
خطية منذ بداية ظهوره بيننا ؟ الأمر الصحيح إذن هو أن الترقي والتطور الذي أحدثه الكلمة
في جسده الخاص هو حدث نوعي ( كيفي ) وليس فعلا تراكميا ، وهو قد حدث بالفعل لجسد الكلمة
الخاص ، منذ أن صار جسدا خاصا بالكلمة .خلاصة الخلاصة: كل مشهد من مشاهد التدبير- بمفرده - هو مجرد لغة تخاطب البشر بقدر إدراك عقولهم، لتكشف عن الواقع النعموي الكامل الكائن في جسد يسوع ( كثمرة للتجسد ) منذ أول لحظة للتجسد، وتكشف عن ماسيكون كامتداد لهذه الثمرة ، من نبع النعمة ورأسها الرب يسوع إلى باقي أعضاء جسده أي الكنيسة.
المصادر
المرجعية
- تجسد الكلمة – ترجمة د/ جوزيف موريس
فلتس
- المقالات ضد الآريوسيين - مؤسسة القديس أنطونيوس - مركز دراسات الآباء
- تجسد
ربنا يسوع المسيح – مؤسسة القديس أنطونيوس-
تعريب د / جورج حبيب يناير
- ظهور
المسيح المحيي- مؤسسة القديس أنطونيوس- - تعريب
د/ جورج حبيب
- الروح
القدس للقديس أثناسيوس الرسولي - مؤسسة القديس
أنطونيوس - مركز دراسات الآباء
- رسالة
أبينا القديس أثناسيوس إلى أدلفيوس المعترف ضد الآريوسيين ( موقع الموجة القبطية )
- رسالة
أبينا القديس أثناسيوس الرسولى إلى أبكتيتوس ضد الهراطقة ( موقع الموجة القبطية )
مجدي داود
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)